عروبة الإخباري –
منذ أن فرضت الثقافة السياسية مفهوم “حرية التعبير” كأحد الركائز الأساسية في المجتمع الديمقراطي، أصبح من حق كل فرد أن يعبر عن آرائه السياسية والفكرية بحرية، دون الخوف من الهجوم أو الاتهامات المغرضة. هذه الحرية، رغم أنها حق مكفول، إلا أنها في بعض الأحيان تُواجه بالتهجم من قبل البعض بمجرد الاختلاف في الرأي.
نظرة سطحية للمواقف السياسية قد تقودنا إلى الفهم الخاطئ بأن الاختلاف في الرأي يعني العداء أو الوقوف في صف الأعداء. إلا أن النقاش السياسي يجب أن يكون مجالًا لعرض وجهات نظر متنوعة، وتعزيز التفكير النقدي، بدلًا من أن يتحول إلى ساحة حرب لفظية لا تُسهم في تقدم المجتمع أو معالجة مشكلاته. يمكننا الاختلاف دون أن نفقد احترامنا لبعضنا البعض، بل إن هذا الاختلاف هو الذي يثري الحوار ويقوي الديمقراطية.
التعبير عن الرأي يجب أن يكون محصورًا في المجال الفكري والسياسي بعيدًا عن الهجوم الشخصي أو استخدام الألفاظ الجارحة. نقد التنظيمات السياسية أو الأحزاب لا يعني الإساءة إليها أو إلى أعضائها، بل هو جزء من الممارسة الديمقراطية التي تتطلب رؤية شاملة لجميع الأطراف وتحليل سلوكياتها وأدائها، في سياق المصلحة العامة. إلا أن البعض قد يتجاوز حدود النقد ليغرق في الإساءة، ويختلط في ذهنه النقد البناء بالتجريح الشخصي.
المشكلة تبدأ عندما يُختزل التصدي للفساد أو الدفاع عن الوطن في معركة سياسية ضيقة، حيث يُرى كل من يختلف في الرأي كعدو يجب محاربته. في الواقع، محاربة الفساد تبدأ أولًا من داخلنا، من خلال التزامنا الشخصي بالقيم والأخلاق، سواء في حياتنا العملية أو في تصرفاتنا اليومية. وإذا أردنا مواجهة الفساد في المؤسسات أو في السياسة، يجب أن نبدأ بتقييم أدائنا الفردي: هل نحن ملتزمون بالقوانين؟ هل نؤدي واجباتنا بأمانة؟ هل نساهم فعلاً في إصلاح المجتمع أم نكتفي بالانتقاد دون عمل حقيقي؟
في بعض الحالات، يبدو أن بعض الأفراد الذين يتحدثون عن محاربة الفساد هم في الواقع يلهثون وراء مصالح شخصية. هؤلاء قد يجدون أنفسهم معارضين للدولة عندما لا تحقق لهم المسارات السياسية أو الاقتصادية التي يطمحون إليها. هذه الفئة، التي تتنقل بين الأطراف السياسية وفقًا لمصلحتها، لا تمثل الصوت الحقيقي للمعارضة الوطنية، بل هي معارضة موسمية تعتمد على ظروف معينة.
وعلى الرغم من ذلك، لا ينبغي أن نغفل عن أهمية الاستماع إلى الرأي المخالف. الاختلاف في الرأي ليس عدوًا بل فرصة لتبادل الأفكار والتطوير الذاتي. النقاش الهادئ والاحترام المتبادل أساس أي حوار ناجح. بل إن الحوار النزيه والمبني على منطق قوي هو الذي يساهم في تحسين الأوضاع السياسية والاجتماعية. لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يتحول هذا النقاش إلى ساحة للتجريح والتشهير الشخصي، حيث يُتهم أحدهم بالعمالة أو الدفاع عن الفساد لمجرد أنه يخالف الاتجاه السائد.
لا ينبغي لأحد أن يتوقع من الآخرين أن يكتبوا أو يعبروا عن آرائهم بما يتوافق مع ميولهم الشخصية. الكتابة والتعبير عن الرأي هي فعل فردي يجب أن يظل حراً. وإذا توافقنا في الرأي، فهذا ممتاز، وإذا اختلفنا، يجب أن نناقش باحترام وأدب. فالاختلاف مع أي تنظيم سياسي لا يعني أن هناك خصومة شخصية. من المهم أن ندرك أن المواقف السياسية قد تتغير بناء على المعطيات والظروف الحالية، ويجب أن يكون النقاش حولها بناء وليس عدائيًا.
وفي الختام، يجب أن نتذكر أن النقاش العقلاني والبناء هو الطريق الأسمى للمضي قدماً في بناء وطن قوي، بعيدًا عن الحقد الشخصي والاتهامات التي لا تستند إلى حقائق. يجب أن تكون المصلحة العامة هي الهدف الأسمى، ومن يريد أن يناقش بأدب واحترام فهو محل ترحيب. أما الإساءة فيجب أن تكون مرفوضة تمامًا، وأن نكون مستعدين لخسارة أي علاقة لا تبنى على الاحترام المتبادل.
لنكن جميعًا صوتًا واحدًا في مصلحة وطننا، ونسعى للابتعاد عن الفوضى السياسية والاتهامات السطحية التي تعيق تقدمنا.
