لعل من أهم مزايا الثقافة الأمريكية الإقرار بالخطأ حتى وإن كان ذنبا. الجذور الكتابية «الإيمانية» لبلاد العم سام ودستورها وقوانينها وأعرافها جميعها تربّي وتعلّم النشأ في البيت والمدرسة بألا مشكلة في الخطأ، أو الكوارث -بشرية كانت أم طبيعية- ما دامت هناك شفافية وشجاعة للإقرار بذلك، ومن ثم إجراء ما يلزم للتعلم من الخطأ أو الكارثة، بما يحول دون تكرارها، لا بل وبما يؤدي إلى تحسين جودة الأداء والمُنتَج في أي ميدان كان.
دون الدخول في التفاصيل، فمكانها الأخبار، من ضمن أدوات التواصل في أي إدارة عامة أو خاصة في العالم، التواصل الإلكتروني أو الرقمي، سواء بالاتصال المباشر مرئيا وسمعيا بدائرة مغلقة كما في اجتماعات العمل، أو عبر التواصل هاتفيا، أو التراسل نصيّا بين مجموعة عمل خاصة بمهمة ما، أو بين فريق عمل وقائده. من ضمن تلك الأدوات المعروفة والمتاحة للناس كافة وليس الحكوميين وحدهم، تطبيق «سِغْنال» وميزته الأساسية أن محتواه غير قابل للتتبّع. «سغنال» وبالإمكان ترجمته إلى «إشارة» وأحيانا إشارة بمعنى الرسالة، تملأ أخباره الآن الفضاء الأمريكي، فيما اعتُبر فضيحة سياسية أمنية من العيار الثقيل تلقفها الحزب الديموقراطي ومناوئو الرئيس دونالد ترمب بحماسة ووعيد بمساءلة قد تبلغ أبعادا قانونية وحتى جنائية لحساسية تسرب ما يستدعي الكتمان الشديد من محتوى يتعلق بأمور الأمن والدفاع. ترمب سارع بدوره إلى التعبير عن استمرار ثقته بمستشاره للأمن القومي مايك والتز وهو النائب السابق المخضرم والمحارب المكرم، وسائر أركان فريقه السياسي والعسكري والأمني (الاستخباري)، جميعهم «موضع ثقة الرئيس». فيما قلل البيت الأبيض من الأثر الناجم عن الخطأ الذي مكّن جيفري غولدبيرغ رئيس تحرير مجلة «ذِ أتلانتِك» -اليسارية في المعايير الأمريكية- من الاطلاع على مناقشات على أعلى مستوى حول عملية عسكرية جارية، وهي حملة القصف الأمريكي لجماعة الحوثي المصنفة «تنظيما إرهابيا أجنبيا» على اللوائح الأمريكية.
رسائل مركّبة وأخرى مشفّرة تحملها هذه الفضحية، ولا يجوز التقليل من شأنها حتى من قبل أكثر المتحمسين لإدارة ترمب الذي من غير المستبعد، أن يعاجل الجميع بقرارات تعكس تاريخه المهني في التعامل مع الأخطاء. وتلك مسألة يحسن ترمب تقديرها رغم تضارب الآراء حول رجاحة قرارات طرد سابقة اتخذها بحق أقرب المقربين، ولمن كان من أشد المتحمسين لهم كوزير الدفاع الأسبق الجنرال «جِمْ ماتِسْ»، أو مستشاره للأمن القومي الأول مدير الاستخبارات العسكرية الأسبق «مايكل فْلِنْ» الذي لا زال يعرب عن ثقته به رغم عدم تسليمه بعد أي منصب، وكلاهما كانا في ولايته الأولى.
ثمة مدارس في تعامل القائد أو المدير مع أخطاء فريقه. معروف عن الرئيس السابق جو بايدن أنه يضمن ما يعرف بالأمن الوظيفي لفريقه ويتمسك بهم مهما كان الثمن وتعاظمت الضغوطات. دفاعه عن وزيري الخارجية والدفاع أنتوني بلينكن ولويْد أوستن كان لافتا خاصة بعد الانسحاب الكارثي من أفغانستان. في المقابل، لا ينسى المستشار الأسبق للأمن القومي في إدارة ترمب الأولى «جون بولتون» مثلا التوبيخ العلني المتكرر حتى بعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض والذي يصر أنه استقال ولم يتعرض للإقالة كما أكد ترمب مرارا.
يبقى كل ما سبق قابلا للأخذ والرد سياسيا وربما حتى قضائيا، لكن الرسالة الأهم في «غلطة» والتز لم تكن بإضافة غولدبرغ بالخطأ أو سهوا وإنما بالركون إلى آلية «سغنال» التي ما كان ينبغي أن تكون مكانا لائقا لمناقشات على تلك الدرجة من الأهمية. تبقى المدرسة الكلاسيكية هي «صح الصح» والقائلة بأن خير الكلام ما قل ودل، والعين بالعين، واللبيب بالإشارة يفهم بما يُغني عن الحكي من أصله!
رسائل «سِغنال» الأطلسية!* بشار جرار
6
المقالة السابقة