عروبة الإخباري – طلال السكر –
تناولت الدكتورة العلامة، فلك مصطفى الرافعي، في مقالها موضوع ثقافة العزاء من زاوية نقدية بناءة، تسلط الضوء على مجموعة من العادات والتقاليد التي أصبحت مترسخة في المجتمعات العربية والإسلامية، رغم تعارض بعضها مع الهدي النبوي والتعاليم الإسلامية السمحة.
أول ما يستوقف القارئ في طرحها هو مسألة “ورقة النعوة” وما تحمله من تمييز جندري غير مبرر، إذ استهجنت الدكتورة فلك الرافعي، استمرار إغفال أسماء النساء في إعلان الوفاة، وكأن ذكر المرأة في هذا السياق يُعد خروجًا عن المقبول اجتماعيًا. وهذا يعكس إشكالية ثقافية تتعلق بالنظرة إلى المرأة ودورها في المجتمع حتى في أدق التفاصيل. فمقارنةً بما كان عليه الحال في السابق، حيث لم يكن اسم المرأة يُذكر في النعي، نجد أن المجتمع بدأ يتجاوز هذه العادات تدريجيًا، وهو ما يُعد خطوة نحو إزالة الحواجز المصطنعة التي لا سند شرعي لها.
ومن القضايا الجوهرية التي أثارتها العلامة فلك، مسألة استخدام القرآن الكريم في الإعلان عن الوفاة عبر مكبرات الصوت، أو تشغيله في مجالس العزاء دون مراعاة آداب التلاوة والاستماع، الأمر الذي يتناقض مع قوله تعالى: “فإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تُرحمون” (الأعراف: 204).
إن هذا الاستخدام المجتزأ للنصوص المقدسة وتحويلها إلى أدوات تعبيرية عن الحزن، بدل أن تكون وسيلة للتدبر والتوجيه، يُحتم علينا إعادة النظر في مدى ملاءمة هذه الممارسات.
كما أشارت د. فلك، إلى ظاهرة تكليف أهل الفقيد بإعداد الطعام للمعزين، على عكس الهدي النبوي الذي أوصى بأن يقوم الآخرون بإعداد الطعام لأهل الميت؛ نظرًا لحالتهم النفسية الصعبة وانشغالهم بالمصاب. فبدلًا من أن يكون المجتمع داعمًا، تتحول المناسبة إلى عبء مادي ونفسي يزيد من معاناة أهل الفقيد، وهو ما يستدعي تصحيح هذه العادة لتنسجم مع مبادئ التكافل الاجتماعي الحقيقي.
ومن العادات التي تستدعي التأمل كذلك مسألة ارتداء اللون الأسود في العزاء، والتي تبدو دخيلة على الثقافة الإسلامية، إذ لم يرد في الشريعة ما يُلزم بذلك. بل إن الاقتصار على اللون الأسود قد يحمل في طياته دلالات نفسية سلبية، بينما الأصل في الإسلام أن يُنظر إلى الموت باعتباره انتقالًا إلى الدار الآخرة وليس مناسبة للتعبير عن الحزن بشكل نمطي محدد.
إن مقال الدكتورة العلامة فلك مصطفى الرافعي، يفتح نافذة لمناقشة الثقافة المجتمعية المتعلقة بالعزاء، والتي تحتاج إلى مراجعة تُعيدها إلى إطارها الإنساني والديني الصحيح. فالمصالحة مع الموروث لا تعني التمسك بكل ما هو قديم دون تمحيص، بل تستدعي التمييز بين العادات التي تتوافق مع مقاصد الشريعة وتلك التي تحولت إلى أعباء اجتماعية لا سند لها.
إنهم قوم محزونون، فلنكن لهم عونًا لا عبئًا عليهم.