سكوت أتران؛ وأنخيل غوميز* – (إندبندنت عربية)
على الرغم من تراجع شعبية “حماس” في غزة بعد الحرب المدمرة مع إسرائيل، ما يزال البديل عنها غير واضح. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن سكان غزة يعلقون آمالاً كبيرة على القيم الأساسية لهويتهم الفلسطينية، مثل تطبيق الشريعة وحق العودة والسيادة الوطنية، وهم على استعداد للتضحية من أجل هذه القيم.
***
في الأسابيع التي تلت بدء وقف إطلاق النار الهش الذي اتفقت عليه إسرائيل و”حماس” في 19 كانون الثاني (يناير) واتفاق تبادل الأسرى، برزت إلى الواجهة مسألة مستقبل غزة وسكانها البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة. وقد أدت الحرب إلى تحويل جزء كبير من غزة إلى خراب، فدمرت مدارسها ومستشفياتها وبنيتها التحتية المدنية وبيئتها إلى حد كبير، وأصبح عدد هائل من سكانها بلا مأوى مناسب. كما أن التهديد المستمر بانهيار وقف إطلاق النار أجج الهلع اليومي من وقوع مزيد من الدمار. وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح أفكاراً خيالية حول “استيلاء” الولايات المتحدة في نهاية المطاف على غزة وترحيل سكانها بصورة دائمة، فإن القوى الخارجية لم تحرز تقدماً كبيراً في وضع استراتيجية للحكم والأمن في القطاع حالياً.
من الغريب أن أهل غزة أنفسهم غائبون عن هذا النقاش، مع أنه من المنطقي افتراض أن أكثر من 15 شهراً من الصراع المدمر غيرت تصورات المدنيين العاديين في القطاع حول مستقبلهم، ورؤيتهم لأرضهم، ومن يجب أن يحكمهم، وما يعتبرونها المسارات الأكثر معقولية وترجيحاً لتحقيق السلام. وبالنظر إلى الثمن الباهظ الذي دفعوه نتيجة هجوم “حماس” في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، قد يتوقع المرء أن يرفض أهل غزة أن تقودهم الحركة، مفضلين قيادة بديلة. وعلى نحو مماثل، قد يتوقع المراقبون الخارجيون أنه بعد كل هذه المعاناة، سيكون سكان غزة أكثر استعداداً لتقديم تنازلات بشأن تطلعاتهم السياسية الكبرى في مقابل تلبية احتياجاتهم الإنسانية الأكثر إلحاحاً.
ولكن في الواقع، أظهر استطلاع أجريناه في غزة في أوائل كانون الثاني (يناير)، قبل فترة وجيزة من سريان وقف إطلاق النار، صورة أكثر تعقيداً. وأعدت مؤسسة “آرتيس إنترناشيونال” البحثية Artis International ومركز “الطابع المتغير للحرب” بجامعة أكسفورد Oxford University’s Changing Character of War Centre هذا الاستطلاع، ثم نفذه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية Palestinian Center for Policy and Survey Research (PSR). ومن خلال استخدام بيانات إحصائية وجمع معلومات من عينة من الأشخاص في الملاجئ بناء على مواقع منازلهم الأصلية من أجل ضمان التنوع الجغرافي، شمل الاستطلاع 500 مقابلة أجريت وجهاً لوجه مع أهل غزة، من بينهم 248 امرأة و252 رجلاً، تتراوح أعمارهم بين 18 و83 سنة، وكان هامش الخطأ أربع نقاط مئوية.
وجد الاستطلاع أنه على الرغم من تراجع شعبية “حماس” بصورة حادة منذ الأشهر الأولى للحرب، فإن البدائل الحالية للحركة تحظى بدعم أقل، مما يفتح المجال أمام “حماس” لاستعادة نفوذها في غزة مجدداً. وبالإضافة إلى ذلك، عززت الحرب التزام أهل غزة بالأهداف السياسية المتطرفة بدلاً من أن تضعفه، في حين أدت إلى تراجع التأييد لحل الدولتين. وربما كان الأمر الأكثر لفتاً للنظر هو أن الاستطلاع أظهر أن أهل غزة ما يزالون يحتفظون بقيم أساسية قوية مرتبطة بهويتهم الفلسطينية والدينية وتعلقهم بأرضهم، وهي قيم يعتزمون التمسك بها حتى لو تطلب ذلك تضحيات شخصية كبيرة. وبينما تواجه الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون والدوليون واقع غزة ما بعد الحرب، فإن نتائج الاستطلاع تتحدى الافتراض القائل إن أي تحرك نحو السلام مع إسرائيل يمكن أن يتحقق من دون تلبية بعض هذه القيم الأساسية، أو الاعتراف بها رمزياً على الأقل.
ثغرات الحوكمة
طلب أحد الأسئلة الرئيسة في الاستطلاع من المشاركين اختيار الحل الذي يرونه مقبولاً وواقعياً من بين الحلول المحتملة للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. قبل اندلاع الحرب في غزة، أظهرت البحوث أن غالبية واضحة من الفلسطينيين في غزة كانت تؤيد حل الدولتين، بينما فضل 20 في المائة فحسب الحل العسكري الذي قد يؤدي إلى تدمير دولة إسرائيل. وفي استطلاع كانون الثاني (يناير)، انخفضت نسبة المؤيدين لحل الدولتين إلى أقل من النصف، فبلغت 48 في المائة، بينما فضلت نسبة مماثلة تقريباً، تبلغ 47 في المائة، حلاً قائماً على زوال دولة إسرائيل. أما الخيار الثالث، وهو إقامة دولة ديمقراطية ثنائية القومية يتمتع فيها العرب واليهود بحقوق متساوية، فاعتبره 5 في المائة فقط مقبولاً وواقعياً.
وعلى الرغم من أن 48 في المائة رأوا أن التقسيم هو حل مقبول وواقعي، فإن 20 في المائة فقط أيدوا حل الدولتين وفقاً لقرارات الأمم المتحدة على أساس حدود العام 1967. أما بقية المؤيدين لحل التقسيم، ففضلوا حلول الدولتين التي تشمل “حق العودة” لذرية اللاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم داخل إسرائيل (17 في المائة)، أو العودة إلى خطة تقسيم فلسطين التي وضعتها الأمم المتحدة في العام 1947 (11 في المائة). ومن بين الذين أيدوا إنهاء دولة إسرائيل، البالغة نسبتهم 47 في المائة، فضلت غالبية واضحة إقامة دولة موحدة تخضع للشريعة الإسلامية وتسمح بوجود اليهود، ولكن من دون منحهم حقوقاً كاملة (27 في المائة)، بينما دعت مجموعة أصغر إلى ترحيل المهاجرين اليهود وأحفادهم من إسرائيل والأراضي الفلسطينية (20 في المائة)، ولكن ليس اليهود الذين عاش أسلافهم في المنطقة قبل الصهيونية.
علاوة على ذلك، أظهر الاستطلاع كيف تغيرت آراء أهل غزة تجاه “حماس”. قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أظهرت استطلاعات الرأي أن شعبية “حماس” كانت في تراجع مستمر منذ فترة. وكان هذا التراجع نتيجة عوامل عدة، من بينها تدهور الظروف المعيشية وعدم إحراز تقدم في وعود الحركة بالمقاومة المسلحة ضد إسرائيل والسعي إلى إقامة دولة فلسطينية. وكما قال مدير “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” خليل الشقاقي، فإن الهجوم الذي شنته حركة “حماس” في تشرين الأول (أكتوبر) ربما كان محاولة للخروج من الوضع السياسي القائم الذي بات لا يطاق بالنسبة لها.
خلال الأشهر الأولى من الحرب، تحسنت مواقف أهل غزة تجاه “حماس”. في آذار (مارس) 2024، أظهر استطلاع بين سكان غزة أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” أن دعم سيطرة “حماس” على القطاع ارتفع إلى أكثر من 50 في المائة، بزيادة قدرها 14 نقطة مئوية مقارنة بفترة ما قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. في ذلك الوقت، كان معظم سكان غزة يعتقدون أن “حماس” ستستمر في السيطرة على القطاع وأنها تحقق انتصاراً في الحرب ضد إسرائيل. ولكن بحلول كانون الثاني (يناير) 2025، وبعد تصفية القيادة العليا لـ”حماس” واستمرار الدمار في غزة، تراجع هذا الدعم مرة أخرى.
أظهر استطلاعنا في كانون الثاني (يناير) أن “حماس” لم تعد تحظى إلا بدعم خمس سكان غزة، وهو انخفاض حاد مقارنة باستطلاع آذار (مارس). ومع ذلك، كان الدعم للفصائل السياسية الأخرى، بما فيها “منظمة التحرير الفلسطينية”، أقل حتى من ذلك. في الواقع، عندما طُلب من سكان غزة اختيار قيادة فلسطينية من بين الخيارات الحالية المتاحة، كان ردهم الأكثر شيوعاً هو أن أياً من هذه القيادات لا يمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً. ويعتقد أهل غزة أن القيادة الإسرائيلية تمثل الإسرائيليين بصورة أفضل بكثير مما تمثل القيادة الفلسطينية شعبها.
باختصار، يكشف الاستطلاع عن فراغ في القيادة الفلسطينية تسعى “حماس” إلى ملئه بسرعة، على الرغم من ضعفها. وكما أشار بعض المحللين، فإن عملية إعادة ترسيخ “حماس” لنفوذها تعززت بسبب غياب خطة بديلة لحكم الفلسطينيين قابلة للتطبيق من إسرائيل أو الولايات المتحدة، إضافة إلى حديث إدارة ترامب عن اقتراح كثيراً ما دافعت عنه الأوساط اليمينية المتطرفة في إسرائيل، وهو “الترانسفير”، أو “ترحيل السكان”. وبحسب الشقاقي، فإن معظم سكان غزة يعتقدون أن “حماس” لم تنتصر في الحرب. ويضيف: “مع ذلك، يبدو أنهم لا يجدون بديلاً أفضل”.
القوة الداخلية
قد يخفي غياب الدعم القوي لـ”حماس” حقيقة أعمق تتعلق بالدور الذي تلعبه الحركة في غزة. وفق نتائج استطلاعنا، فإنه على الرغم من إدراك سكان غزة للأزمة في القيادة السياسية الفلسطينية، إلا أن غالبية السكان ما تزال ملتزمة بالمبادئ السياسية لـ”حماس”، مثل تطبيق الشريعة باعتبارها القانون السائد في البلاد، وحق اللاجئين الفلسطينيين وذريتهم في العودة إلى ديارهم التي فقدوها عند قيام إسرائيل في العام 1948، والسعي إلى تحقيق السيادة الوطنية للفلسطينيين.
في الواقع، قمنا بقياس هذا الالتزام من خلال الطلب من المشاركين في الاستطلاع تحريك دائرة صغيرة (تحمل علامة “أنا”) إلى موضع يؤكد بصورة أفضل علاقتهم بدائرة كبيرة تمثل قيمًا أو مجموعة، بحيث يعتبرون “منصهرين” مع تلك القيم أو المجموعة عندما يضعون أنفسهم في مركز الدائرة الكبيرة تماماً. وتشير النتائج من الدراسات السابقة، سواء في ساحات القتال في ليبيا وأوكرانيا أو في الحروب الثقافية في الولايات المتحدة، إلى أن أولئك الذين يظهرون اندماجاً كاملاً يعتبرون تلك القيم أو المجموعة جزءاً لا يتجزأ من هويتهم.
يعد الاندماج مؤشراً موثوقاً على الاستعداد للتضحية من أجل مجموعة أو قضية أكبر، وهناك مؤشر آخر للتضحية بالنفس، وهو عندما تصبح القضية الجماعية “قيمة مقدسة”. وسواء كانت القيم المقدسة دينية أم علمانية، مثل الله أو الوطن، فإنها تكون غير قابلة للمساومة، بصرف النظر عن الأخطار المادية أو المكاسب أو التكاليف أو العواقب. وعندما يجتمع الاندماج مع القيم المقدسة، ينتج من ذلك ما يعرف بـ”الفاعلين المتفانين” المستعدين للتضحية بكل شيء، بما في ذلك حياتهم وأحباؤهم والتخلي عن مصالحهم الشخصية بالكامل.
على سبيل المثال، بين العامين 2015 و2017، أجرينا سلسلة من الدراسات في العراق حول مجموعات مثل تنظيم “داعش”، والمسلحين الأكراد الانفصاليين التابعين لـ”حزب العمال الكردستاني”، والبيشمركة الكردية، أو القوات العسكرية التابعة لكردستان العراق، التي واصلت القتال على الرغم من تكبدها خسائر كبيرة. ووجدنا أن الأعضاء المندمجين في هذه المجموعات يميلون إلى إظهار درجة عالية من الاستعداد للتضحية بأنفسهم من أجل القيم التي يعتبرونها مقدسة، وهي سمة منحت هذه الجماعات قوة روحية تفوقت بصورة كبيرة على مواردها المادية، مثل الأسلحة أو القوى البشرية أو الدعم اللوجستي أو مدة التدريب العسكري.
ينطبق هذا الأمر أيضاً على سكان غزة بعد 15 شهراً من الحرب. فقد كشفت نتائج استطلاع كانون الثاني (يناير) عن أن سكان القطاع يظهرون درجة عالية من الانتماء الجماعي إلى الهوية الفلسطينية، ويعرب الكثيرون منهم عن استعدادهم لتقديم تضحيات شخصية مكلفة من أجل تحقيق أهداف محددة مثل تطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها القانون السائد، وحق اللاجئين وذريتهم في العودة إلى ديارهم التي فقدوها عند قيام إسرائيل في العام 1948، والسعي إلى تمتع الفلسطينيين بالسيادة الوطنية. وبالنسبة لكل من هذه القيم الأساسية، كلما زاد استعداد المشاركين لتقديم تضحيات مكلفة من أجلها، قل استعدادهم لصنع السلام مع إسرائيل.
لقياس نظرة أهل غزة إلى قوتهم الجسدية والروحية مقارنة بمجموعات وطنية أخرى، استخدم الاستطلاع نهجاً سبق أن طبق في دراسات استقصائية على العراقيين والأوكرانيين والقوات المسلحة الأميركية، ومجموعات أخرى. وعُرض على المشاركين في الاستطلاع جسدان متجاوران شبه عاريين وُضع على رأس كل منهما علم وطني، ويمكن تكبير أو تصغير حجم الجسدين وعضلاتهما باستخدام شريط تمرير (أداة ضبط وتحكم يسمح تحريكها بتغيير حجم الأجساد والعضلات). ثم طلب منهم تحريك شريط التمرير لتقييم “القوة الجسدية” و”القوة الروحية” النسبية لكل مجموعة وطنية. وفي استطلاعنا، طُلب من أهل غزة مقارنة أنفسهم بالإسرائيليين والأميركيين والإيرانيين. واعتبر المشاركون أن الفلسطينيين أقوى بكثير روحياً مما هم عليه جسدياً، وكان ذلك يتناقض مع الطريقة التي ينظرون بها إلى إسرائيل والولايات المتحدة -وحتى حليفتهم المفترضة، إيران، إذ اعتبروا أن قوتهم الجسدية تفوق قوتهم الروحية.
يظهر سكان غزة ميلاً واضحاً إلى النظر إلى الصراع مع إسرائيل من منظور ديني أكثر منه سياسيًا -باعتباره صراعاً لتحرير المسلمين من الاضطهاد اليهودي. لكن معتقد الفلسطينيين الديني لا يعني بالضرورة عدم التسامح مع المجموعات الأخرى. على سبيل المثال، في استطلاع أجري في العام 2016 بين الشباب المسلمين الفلسطينيين، وجدنا نحن وزملاؤنا أن كثيرين منهم كانوا يميلون إلى إعطاء قيمة أكبر لحياة الفلسطينيين مقارنة بحياة اليهود الإسرائيليين. ومع ذلك، عندما طُلب منهم مقاربة الموضوع من منظور العدل الإلهي، قيموا حياة الفئتين بصورة أكثر تساوياً. بدا أن إيمانهم بالله يعزز رؤية أوسع وأكثر شمولية للحياة البشرية، مع الاعتراف بالقيمة الأخلاقية للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء حتى وسط صراع طويل الأمد.
مع ذلك، عندما يصبح الدين مرتبطاً بأجندة اجتماعية وسياسية حازمة يفترض أنها مقدسة عند الله أو “حزبه” يصبح المعارضون لهذه الأجندة والحزب أعداء لله، مما يجعل من الأسهل شيطنتهم وقتلهم. في استطلاع كانون الثاني (يناير)، اعتبر أقل من 1 في المائة من سكان غزة أنفسهم “غير متدينين”، بينما صنف 67 في المائة أنفسهم على أنهم “متدينون إلى حد ما”، و31 في المائة على أنهم “متدينون حقاً”. وكان ما يقرب من ثلث المشاركين الذين صنفوا أنفسهم على أنهم “متدينون حقاً” الأكثر التزاماً بسيادة فلسطين وحق العودة، والأكثر استعداداً لتقديم تضحيات كبرى، بما في ذلك القتال والموت، من أجل تحقيق هذه الأهداف. وكانت هذه الفئة أيضاً الأكثر دعماً لتطبيق الشريعة وقيادة “حماس” لغزة والفلسطينيين بصورة عامة.
واعتبر “المتدينون حقاً” و”المتدينون إلى حد ما”، على حد سواء، أن الإسرائيليين أقل إنسانية بصورة ملاحظة من الفلسطينيين، واختبر الاستطلاع ذلك من خلال مطالبة المشاركين بتحديد مكان الفلسطينيين والإسرائيليين على سلم قياس بصري يتراوح من شكل يشبه القرد، إلى جسم منحن لا يسير بصورة منتصبة، وصولاً إلى شكل إنسان يقف في وضعية مستقيمة تماماً. وتشير دراسات من الصين وأوروبا والهند وأميركا الشمالية وغيرها إلى أنه كلما كان الشكل المختار أقل إنسانية، ربط المشاركون الخصم بالانحطاط الأخلاقي والتهديدات والأفعال العنيفة، وزادت بالتالي رغبتهم في استخدام العنف ضده.
ثمن السلام
من المهم الإشارة إلى أن الالتزامات الدينية والسياسية ليست العامل الحاسم بالنسبة لمعظم سكان غزة. وعلى الرغم من أن الغزيين بغالبيتهم يعتبرون أن القيم الأساسية المرتبطة بكونهم فلسطينيين تشكل جوهر هويتهم، إلا أن أقلية صغيرة تعتبر هذه القيم غير قابلة للتفاوض. على سبيل المثال، يرى 30 في المائة فقط من سكان غزة أن حق العودة يشكل جزءاً من هويتهم غير قابل للتفاوض، بينما ينظر 20 في المائة فقط إلى الشريعة الإسلامية بهذه الطريقة، و15 في المائة فقط يعتقدون الشيء نفسه عن السيادة الوطنية. ومع ذلك، رأى المشاركون في الاستطلاع أنه حتى قضية السيادة الوطنية كانت أكثر أهمية بكثير من الحفاظ على سلامة الأسرة وأمنها، وهي نتيجة تتماشى مع نتائج استطلاعات سابقة أجريت على المقاتلين الأكثر التزاماً من مؤيدي “داعش” ومعارضيها خلال فترة سيطرتها القصوى في العراق بين العامين 2015 و2016.
وقد يكون هناك استنتاج أوسع يمكن استخلاصه من هذه النتائج حول التزام الغزيين العميق روحانياً بالقيم الأساسية الفلسطينية. ففي دراسات مماثلة أجريت في أماكن أخرى، تميل الجماعات التي ترى نفسها ضعيفة جسدياً ولكن قوية روحياً إلى أن تكون أكثر عدوانية أو تطرفاً وأكثر استعداداً لمواصلة القتال، حتى في مواجهة عدو أقوى منها بكثير. وهي تعتبر استعدادها للتضحية بالنفس بمثابة ميزة تجعلها تتفوق على خصومها. وهذه السمة مشتركة بين الجماعات المتطرفة، مثل مقاتلي ومؤيدي “داعش” أو “حزب العمال الكردستاني”، لكنها موجودة أيضاً لدى آخرين قد يكونون على الدرجة نفسها من التفاني وعلى استعداد للتضحية بأنفسهم من أجل الديمقراطية أو السلام (كما هو الحال لدى نسبة أصغر بكثير من السكان في غزة).
بالنسبة للغزيين بصورة عامة، فإن الاستعداد للتضحية بأنفسهم من أجل تحقيق أهداف مشتركة على الرغم من المدى الذي بلغته هذه الحرب القاسية، يشير بقوة إلى أنه من المستبعد أن يتخلوا عن نضالهم في مقابل مجرد الحصول على الأمن الشخصي والعائلي. وهذا يثير تساؤلات حول الخطط الدولية المختلفة “لليوم التالي” في قطاع غزة، التي تفترض على ما يبدو أن توفير السلامة الشخصية وسبل العيش، من خلال وقف الأعمال العدائية وتسليم المساعدات والخيام والاحتياجات الأساسية، من شأنه أن يحقق الاستقرار في القطاع حتى في غياب حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
ولتقييم نظرة سكان غزة إلى فرص تحقيق السلام في المستقبل، قيم الاستطلاع توقعاتهم بشأن السيناريوهات التي أيدها قادة فلسطينيون في الماضي، بمن فيهم مسؤولو “حماس”. قبل سنوات من هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أجرى أحدنا (أتران) مقابلات عدة مع قادة “حماس”، شملت في العام 2006 لقاءً مع رئيس الوزراء في غزة آنذاك، إسماعيل هنية، الذي شغل في ما بعد منصب رئيس المكتب السياسي إلى أن اغتالته إسرائيل العام الماضي، وفي العام 2009 مع خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي آنذاك في دمشق، وفي العام 2013 مع موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي، في القاهرة. وفي كل من هذه اللقاءات، أبدى القادة استعداداً لقبول هدنة طويلة الأمد -أو حتى سلام مع إسرائيل.
ذكّر استطلاعنا في كانون الثاني (يناير) المشاركين بهذه التصريحات، مشيراً إلى أن هؤلاء القادة ربطوا عموماً هدنة أو سلاماً أطول أمداً بعودة إسرائيل إلى حدود العام 1967، وإقامة “توازن قوى” مع إسرائيل يكون مدعوماً دولياً، والاعتراف بحق العودة. ثم طرح الاستطلاع سؤالاً حول أي من السيناريوهات الثلاثة؛ الهدنة أو السلام أو مزيد من الحروب، يبدو الأكثر ترجيحاً للجيل القادم من الفلسطينيين.
قال نحو نصف المشاركين إنهم يتوقعون السلام، في حين توقع 44 في المائة منهم هدنة طويلة الأمد، ورأى 7 في المائة منهم أن مزيداً من الحروب هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. ومع ذلك، من بين نصف عدد المشاركين الذين توقعوا السلام، برزت مجموعتان متساويتان تقريباً في الحجم، الأولى تتوقع السلام كنتيجة للمفاوضات (24 في المائة)، والثانية تتوقع السلام كنتيجة لانهيار دولة إسرائيل (25 في المائة). أما المشاركون الذين توقعوا هدنة مؤقتة أو حرباً، فكانوا يعتقدون أن الإسرائيليين والفلسطينيين لن يتمكنوا من التوصل إلى سلام دائم، إما بسبب رفض الطرف الآخر للتنازلات المطلوبة أو لأن هذه التنازلات مؤلمة جداً بالنسبة إلى أحد الجانبين أو كليهما.
لماذا يقاتلون
من المفارقات أن صلابة تمسك سكان غزة بالقضية الفلسطينية قد تفتح المجال أمام تسويات لم تحظ بالاهتمام حتى الآن. على سبيل المثال، ليس سراً أن “حماس” ملتزمة بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وحق العودة وتطبيق الشريعة الإسلامية، وهي جميعها أهداف يمكن تحقيقها من خلال إنهاء دولة إسرائيل. ومع ذلك، ألمح قادة “حماس” في الماضي إلى أنهم لا يعتبرون أن دولة فلسطين ذات سيادة “من النهر إلى البحر” وزوال دولة إسرائيل هما قيمتان مقدستان غير قابلتين للتفاوض. وتشير دراسات أجريناها من العام 2006 إلى العام 2013 إلى أنه حتى حق العودة، على الرغم من اعتباره مقدساً، يمكن إعادة صياغته بحيث يظل غير قابل للتفاوض من حيث المبدأ وقابلاً للتفاوض من حيث التطبيق.
قد تتطلب مثل هذه التسوية، على سبيل المثال، مبادرات رمزية ذات مغزى من الجانب الآخر، مثل اعتذار إسرائيلي صادق عن طرد الفلسطينيين من منازلهم وأراضيهم، وقبول إسرائيل بعودة عدد محدود من اللاجئين وذريتهم، وتقديم صورة من صور “الدية” أو التعويض المالي للضحايا أو ورثتهم، كنوع من التعويض التاريخي عن النكبة التي عناها التهجير الجماعي للفلسطينيين أثناء تأسيس إسرائيل في العام 1948. لكن بحوثنا تظهر أيضاً أن الحوافز الاقتصادية أو العقوبات التي تهدف إلى إجبار الفلسطينيين (أو الإسرائيليين) على التخلي عن قيمهم الأساسية تأتي بنتائج عكسية على المجتمع ككل، مما يزيد من مقاومة اتفاقات السلام ودعم العنف.
من الممكن، بالطبع، أن يكون قادة “حماس” الذين أدلوا بمثل هذه التصريحات قد انخرطوا في مناورة غير صادقة تهدف إلى تخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي، مثلما زعم القادة الإسرائيليون. ومع ذلك، في استطلاعنا الأخير، أشار سكان غزة إلى أنهم مستعدون للنظر في تسوية لا تحقق بالكامل ما يعتبرونه الخيار الأكثر قبولاً وواقعية. ويشكل إنشاء توازن قوى يكفل عدم قدرة إسرائيل على نشر قوة عسكرية كافية للهيمنة على الأراضي الفلسطينية المعترف بها دولياً، هدفًا ماديًا قابلًا للتفاوض من شأنه أن يضمن الأمن المادي للفلسطينيين. وبالنسبة لسكان غزة الذين يعتبرون حق العودة قيمة مقدسة غير قابلة للتفاوض، لكنهم مع ذلك منفتحون على إعادة تأويله، فإن الاعتراف الإسرائيلي بهذا الحق، حتى لو كان رمزياً إلى حد كبير، قد يوفر إحساساً بالأمان للشعب الفلسطيني، من خلال الحفاظ على ما يعتبره الفلسطينيون غالباً القضية الجوهرية في الصراع، أي “الأرض والكرامة”. ومثل هذه البادرة، على الرغم من أنها لن تكون كافية بمفردها، قد تكون نقطة انطلاق نحو التفكير في السلام.
وعلى النقيض من ذلك، يعتقد سكان غزة أن التخلي عن أرضهم، كما اقترح ترامب، يعني التوقف عن كونهم فلسطينيين. ومن دون استعداد إسرائيلي لتقديم بعض التنازلات بشأن القيم الفلسطينية الأساسية، واستعداد أميركي لفرض شروط اتفاق من هذا النوع، يشير الاستطلاع إلى أن سكان غزة سيواصلون القتال، على الأقل ما دامت الأقلية الملتزمة من المتحمسين ما تزال قادرة على إلهام الناس لمواجهة صعاب هائلة تفوق التصور سعياً إلى إزالة دولة إسرائيل من الوجود، وسيرد الإسرائيليون حتماً بقوة تدميرية لا تضاهى.
بعد شنها 15 شهراً من “الحرب الشاملة” وتحقيق عدد من أهدافها المادية المعلنة، قد تكون إسرائيل اليوم أبعد من أي وقت مضى عن إحلال الهدوء في غزة. ولا يعود ذلك فقط إلى فشل تل أبيب في تقديم أي استراتيجية سياسية أو خطة قابلة للتطبيق لمستقبل فلسطيني، ودفعها الفلسطينيين إلى مزيد من التطرف سعياً إلى الانتقام لمقتل أقاربهم ودمار منازلهم. (يظهر استطلاعنا وجود ارتباط مؤكد بين التعرض للتهجير العائلي، وتفضيل إنهاء النزاع عسكرياً لا دبلوماسياً). في الواقع يعود ذلك أيضاً إلى أن سكان غزة، على الأقل الأكثر التزاماً بينهم، يعتقدون أن هويتهم ومكانتهم في العالم أصبحتا مهددتين أكثر من أي وقت مضى: وهو شعور لا يختلف كثيراً عن ذاك الذي ألهم تأسيس الدولة اليهودية، وعزز الإرادة القتالية الشديدة لدى شعبها.
*سكوت أتران: الشريك المؤسس لـ”آرتيس إنترناشيونال”، وزميل باحث مميز في مركز “الطابع المتغير للحرب” بجامعة أكسفورد.
*أنخيل غوميز: زميل بارز في “آرتيس إنترناشيونال” وأستاذ علم النفس في الجامعة الوطنية للتعليم عن بعد في مدريد. المقال مترجم عن “فورين أفيرز”، حيث نشر في 14 شباط (فبراير) 2025.