حضرت تجليات اتفاق «أوسلو» في تأسيس سلطة فلسطينية (1994) مقيدة بالتزامات أحادية، ونظام سياسي فلسطيني اصطبغ، منذ ميلاده، بالطابع الرئاسي الفردي، قبل أن يؤول مختلطاً، وصلاحيات واسعة لرئيس السلطة وغامضة للحكومة، وتهميش للسلطة القضائية، وتداخل بين السلطات، وليس فصلها، مما أوجد إشكاليات كبيرة، راكمها الاحتلال الصهيوني سوءاً، وعمّقها الانقسام الفلسطيني الممتد منذ 2007.
كان مبرر قيام واستمرار السلطة حملها مشروعاً قوامه التحول من سلطة حكم ذاتي على مناطق مجزأة إلى دولة وطنية ذات سيادة على إقليم سياسي وجغرافي (الضفة وغزة وشرقي القدس) وحدود معترف بها وفق عام 1967 وحل قضية اللاجئين وفق القرار الدولي 194، إلا أنه لم يتحقق، بينما بقيت السلطة «راسخة» لم يتغير وضعها منذ تأسيسها.
صاحب ذلك، كثيراً، توتر في العلاقة بين السلطة وحركة «فتح» من جهة وبقية القوى والفصائل الفلسطينية الأخرى، من جهة ثانية، نتيجة القيود المفروضة على السلطة، كالتخلي عن الكفاح المسلح واعتماد استراتيجية التفاوض والاعتراف بالكيان الصهيوني، وتنفيذ التزاماتها الأمنية الواردة في «أوسلو»، والتنسيق الأمني مع الاحتلال الصهيوني، بدون إقرار الأخير بالحقوق الوطنية الفلسطينية، أو التوصل إلى تسوية متفق عليها للصراع.
وإذا كانت السلطة تحتكم في شرعية وجودها ومرجعيتها، وبالتالي محددات التزاماتها ومسؤولياتها، إلى ميثاق منظمة التحرير (عدا القانون الأساسي و»أوسلو»)، إلا أن حركتيّ «حماس» و»الجهاد» وقوى اجتماعية وسياسية عريضة غير ممثلة في أطرها. ورغم تأكيد القانون الأساسي الفلسطيني بأن «المنظمة مرجعية السلطة»، إلا أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقعه في 29/5/2002، تحت وطأة ضغوط خارجية ومطالبات إصلاحية داخلية، رغم إقراره من المجلس التشريعي عام 1997، فجاء لاحقاً على وجود السلطة وليس سابقاً لها ومؤسساً لإطارها العام.
هذا الأمر أوجد إشكالية كبيرة في العلاقة بين المنظمة والسلطة، بسبب التناقض بين قانونية التزام السلطة باتفاقياتها مع الاحتلال وبالمهمات الأمنية المحددة في «أوسلو»، بما فيها ملاحقة كوادر المقاومة، وبين شرعية استمرار المنظمة كمؤسسة وإطار وطني ملتزمة مع شعبها، داخل الوطن المحتل وخارجه، بقيادة النضال الوطني حتى تحقيق أهداف العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة، وبتنظيم المقاومة بشتى أشكالها ضدّ الاحتلال، والمسئولة رسمياً عن توجيه ومراقبة السلطة ومحاسبتها.
وبدا ذلك واضحاً منذ تشكل السلطة الفلسطينية، التي سعت إلى نقل عملية صنع القرار السياسي من أطر ومؤسسات منظمة التحرير إلى دوائر ووزارات تابعة لها، وسحب صلاحياتها وتصدُّر قيادة العمل الوطني وتولي إدارة المفاوضات ومتابعة العلاقات العربية والدولية، إزاء تعاطي دولي معها كسلطة شرعية.
وإذا كانت «أوسلو» تمنع السلطة من ممارسة الشؤون الخارجية، مقابل إناطتها بمنظمة التحرير، فإن ذلك يأتي من باب صدّ عناوين السيادة والاستقلال عن سلطة قد تؤول دولة، بدون أن يخفي الاحتلال مخطط تعديل اتفاقيات «أوسلو» عملياً لإحالة الوظائف التمثيلية والدبلوماسية بيد السلطة الممثلة لفلسطيني الداخل حصراً.
وبسبب تداخل الصلاحيات ما بين مؤسسة الرئاسة والحكومة، لاسيما المسؤولية عن الأجهزة الأمنية، التي دُمجت في ثلاثة، والمجال الخارجي الخاص بتعيين السلك الدبلوماسي والسفراء وممثلي منظمة التحرير، فقد نشأ خلط مضاعف بين مؤسسة الرئاسة باعتباره من صلاحية الرئيس حسب القانون الأساسي، والحكومة عبر تبعيته لوزارة الخارجية، والمنظمة من خلال الدائرة السياسية المعنية بالتمثيل الخارجي، فيما أدى سعي السلطة الفلسطينية للاستئثار بعملية صنع القرار السياسي، إلى تدهور مستمر لمؤسسات منظمة التحرير وتطويق مهام المجلس الوطني الفلسطيني.
في مرحلة ما بعد حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة، قد يُعاد بحث ملف إعادة تفعيل منظمة التحرير، لانضواء «حماس» و»الجهاد» والقوى الأخرى فيها، ولكن بأوزان مختلفة. إذ ستسعى «حماس» لمراكمة إنجازها العسكري بحصاد سياسي يتمثل في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، بعد أن ظهرت السلطة الفلسطينية عجزاً جلياً خلال أيام العدوان الصهيوني على غزة. غير أن السلطة، ومعها «فتح»، ستسعى لحرمان «حماس» من تحقيق هذا الإنجاز، وستعود نفس التحديات إلى الواجهة بدون نتيجة.