عروبة الإخباري –
هل تأملت يوماً في جمال الترانيم البيزنطية؟ منذ طفولتي، كنت أجد في صوت المرنم أو راعي الكنيسة المرنم شيئاً استثنائياً؛ ذاك التواضع الذي يرافق انحناءة الرأس وإغماض العينين، قبل أن تخرج الكلمات الموزونة، كلمات المزامير وآيات الكتاب المقدس، محمولة على ألحان تُلامس العقل والقلب معاً.
ترانيم الكنيسة ليست مجرد ألحان، بل هي شكلٌ عميق من العبادة، تعبيرٌ عن الشكر، المحبة، أو طلب الحماية والشفاء، وحتى وسيلة للراحة النفسية. هذه الترانيم، كما تعلمنا، عنصر أساسي في الطقوس الكنسية، حيث ينقل المرنم كلمة الله بشكل يتيح للمؤمن أن يعيش أجواء القداس بروحانية خاصة.
https://www.facebook.com/rula.samain
في حديث خاص مع المرنم الأرثوذكسي علاء خليف، رئيس جوقة المرنمين في “كنيسة الصعود” للروم الارثوذكس في العاصمة، قال أن الترنيم، خاصة أثناء القداس، ليس مجرد أداء، بل هو طريقة تجعل الكلمة الإلهية تنساب إلى أعماق المؤمن. وأضاف خليف بأن هناك فرق كبير بين الغناء، الذي يُعتبر غذاءً للنفس، والترنيم، الذي يُقرّب كلمة الله إلى قلب المصلي.
أوضح العلاقة بين “اللحن” (ميلوس) و”الكلمة” (لوغوس) بأنها أساسية في الترنيم البيزنطي “إذا انفصلت الكلمة عن اللحن، يصبح الترنيم تلقيناً، ويأخذ طابع الطرب، وهو ما يُفقده روحانيته. الترنيم البيزنطي يجب أن يُعاش، ليمنح المرنم الإحساس باللحن الصحيح”.
وأشار خليف الذي أتقن الترنيم البيزنطي منذ عام 2010 ، إلى خصائص الترنيم البيزنطي، بأنه “يتميز بالرصانة والركازة، وهو نابع من الروح والقلب، بعيد عن الصخب ورفع الصوت المبالغ فيه. المرنم الناجح يُبدع بأجمل صوت لديه، ولكن يجب أن يخرج الصوت من قلبه قبل فمه”.
وأضاف: “الخطأ يحدث عندما يحاول المرنم استعراض قوته الصوتية، يتحول جهده حينها إلى طرب وغناء. الغناء جميل، لكنه ليس مناسباً للكنيسة . ومن المهم أن ندرك بأن الترنيم البيزنطي ليس فن موسيقي، بل هو تجربة روحية خالصة تُعيد للمؤمن صلته العميقة بالخالق، وتجعل الكنيسة مساحة للخشوع والتأمل بعيداً عن ضجيج العالم الخارجي.”
بحسب الباحث يانيس قنسطنطينيدس، الذي أجرى دراسة متخصصة حول كنيسة الروم الأرثوذكس في مصر والوطن العربي، فإن الترانيم البيزنطية تتميز بكونها مجردة من الطرب والغناء، ومحصورة بالخُشوع والعبادة. كما أن هذا النوع من الترانيم يعتمد على الصوت البشري فقط دون استخدام الآلات الموسيقية، ما يمنحه طابعاً خاصاً من النقاء الروحي.
وتشير الموسوعة البريطانية الشهيرة “بريتانيكا” إلى أن الترنيمة البيزنطية ظهرت كجزء من التقاليد الليتورجية للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية خلال الإمبراطورية البيزنطية (330-1453م)، وتطورت بشكل كبير خلال القرن السادس عشر. وقد استُلهمت من الطقوس العبرية والمسيحية السورية المبكرة، وامتدت إلى كافة المناطق الناطقة باليونانية في الإمبراطورية الرومانية الشرقية.
يذكر بأن منظمة اليونسكو قد أدرجت الترانيم البيزنطية عام 2019 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، مشيرةً إلى أنها تمثل فناً حياً منذ أكثر من 2000 عام. ووصفتها بأنها نظام موسيقي شامل وأحد أبرز مكونات التراث الموسيقي الذي طورته الإمبراطورية البيزنطية.
*صحافية وكاتبة مختصة في شؤون الحوارات والسِلم المجتمعي