الفيديوهات القصيرة إدمان خفي يخرج البشر من عالم الوقت

مخاوف من تداعياتها ولا سيما تأثيرها المحتمل على الدماغ

عروبة الإخباري –

اندبندنت عربية – نيرمين علي –

ينغمس اليوم عدد كبير ومتزايد من البشر مُسمّرين عيونهم على شاشات هاتفهم الذكي، الذي أصبح جزءاً من حياتهم، نظراً للتسهيلات التي يقدمها، من جهة، ولشدة تعلقهم به من جهة أخرى، حتى يفقد البعض اتصاله بالعالم من حوله في دورة من الاستهلاك القهري للمحتوى. والحقيقة أن الأجهزة الذكية لم تعد جزءاً من حياة المراهقين والبالغين فقط بل انتقل هذا التعلق إلى عالم الأطفال أيضاً.

وفي عالم سريع الخطى حيث لا بدّ من التحديث الدوري لأدوات ووسائل التكنولوجيا لتكون أكثر سرعة مع الوقت، يبدو أن هذه السرعة أخذت بالزحف حتى وصلت إلى منصات التواصل الاجتماعي، لنجد اليوم الانتشار المذهل للفيديوهات القصيرة، (الريلز والشورتس)، كمطلب جماهيري مقابل الفيديوهات المطولة، فنقرأ اليوم أسفل معظم الفيديوهات الطويلة تعليقات من نوع أن الفيديو طويل والكلام كثير، بغض النظر عن مدى أهميه محتواه، وفي هذه الأيام، لا يستطيع  معظم المستخدمين الانتظار حتى يشاهدوا الفيديو أو يستمعوا إليه بسرعته الطبيعية، وهذا يشير بالضرورة إلى تقلص القدرة على التوقف وإعطاء كامل التركيز لفيديو واحد.

وربما يكون من الطبيعي، في عالم يدرك قيمة الوقت، أن يحدث هذا الانجذاب للمحتوى السريع المكثف الموجز، والذي يمكن استهلاكه بسرعة، وفي أي وقت وأي مكان، لكن الحقيقة أن هناك خيوطاً خفية ترتبط نهاياتها بأطراف أصابع الإدمان.

جاذبية لا تقاوم

و”الريلز” و”الشورتس” عبارة عن أسماء مبتكرة لشكل قصير ومختصر من الفيديوهات المحكوم بمدة زمنية معينة لا تتجاوز عادة الدقيقة، وهي مصممة للاستهلاك السريع بحيث تكون جذابة وقابلة للمشاركة، وغالباً ما تطغى عليها الفكاهة والموسيقى والفنون بأنواعها، وغيرها من العناصر الترفيهية، كما أن بعضها الآخر تعليمي وتثقيفي.

وأسهمت منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” في انتشارها بشكل واسع النطاق، حتى أصبحت عنصراً أساسياً في محتوى الوسائط الاجتماعية، وتعود قدرتها على جذب كل هذا الاهتمام الواسع إلى استراتيجيتها القائمة على اختصار المعلومات للوصول إلى الزبدة بدلاً من الدخول في التفاصيل المملة، إضافة إلى نوع المحتوى القريب من السرد القصصي المسلي والمدعوم بالموسيقى والمؤثرات الصوتية والمرئية التي تسهم في زيادة الانجذاب وتعميق الانشغال بتفاصيل الفيديو، فضلاً عن سهولة المشاركة والتفاعل.

وبحسب الدراسات النفسية، فإن مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة تجعل الدماغ يطلق “الدوبامين” (هورمون) المحمل بمشاعر المتعة والسعادة، ليسبب هذا الاندفاع العاطفي سعياً لا يقاوم لتكرار هذا الإحساس الرائع ما يجذبهم أكثر لمشاهدة المزيد من “الريلز”، وهنا يقع المرء فريسة التمرير اللانهائي والتدفق المستمر للمحتوى واستهلاك كثير من الوقت مع فقدان الإحساس به.

وتذكر الدراسات أن الناس غالباً ما يشاهدون “الريلز” مدة ساعتين متواصلتين، ومع الوقت، يقع المزيد من الأشخاص فريسة هذا النوع الجاذب من الفيديوهات التي تسيطر على عقولهم وحياتهم ويومياتهم.

وتقول نهى، محاسبة في شركة تجارية، “غالباً ما أقول إنني سأعطي لنفسي بعد العمل دقائق قليلة لأستمتع في مشاهدة الريلز، ولكن لا أكاد أبدأ حتى يمرّ أكثر من ساعة، وكأن هناك أحداً يدرس تماماً ما أرغب بمشاهدته ويعرضه لي باستمرار، بأشكال مختلفة وأكثر جاذبية في كل مرة. أما أحمد، 28 سنة خريج هندسة مدنية، فيقول “لا أتذكر متى ضغطت للمرة الأولى على فيديوهات تعرض مقاطع سريعة لشخص يقوم بلعب إحدى الألعاب، حتى تكررت أمامي عشرات ومن ثم مئات الفيديوهات المشابهة”.

والحقيقة ألا علاقة للموضوع بمدى وعي الفرد أو قوة إرادته، فنحن أمام عملية جذب مستهدفة وذات خطوات مدروسة تقود إلى نتائج شبه مؤكدة، كما أن الأمر لا يتعلق فقط بالأشخاص الذين يلجأون إلى الفيديوهات القصيرة بغرض الترفيه أو الهروب من واقع ما، بل حتى المتخصصين والمهتمين بمواضيع علمية وثقافية وصناع المحتوى وقعوا في هذا الفخ وبعضهم حذّر منه. وهذا ما فعله “اليوتيوبر” المصري أحمد أبو زيد، في واحد من فيديوهاته، منبهاً إلى خطورة الانسياق وراء “الشورتس” التي أخذت كثيراً من وقته، وكيف جابهها باتخاذه مجموعة من الإجراءات التي تضمن عدم وقوعه ثانية في هذا الفخ، مثل تخفيف التواجد على مواقع الفيديوهات، ومن ثم تخصيص وقت محدد للفيديوهات، بشكل عام، والفيديوهات القصيرة، بشكل خاص.

جرعات من “الدوبامين”

وعلى عكس الفيديوهات الطويلة التي يتطلب حضورها تخصيص وقت واختياره بعناية، تبدو الفيديوهات القصيرة وكأنها استراحة محارب ما بين عمل وآخر، أو لحظات قصيرة من الترفيه بعد الإنجاز، لكن الحقيقة أن هذه اللحظات تتمدد حتى تصل إلى ساعات في بعض الأحيان.

تقول سناء، وهي موظفة يتطلب عملها الاستيقاظ كل يوم السادسة صباحاً للالتحاق بوظيفتها الحكومية، إنها تجد نفسها، في بعض الأحيان، ما زالت مستيقظة حتى الساعة الثالثة فجراً، وهي تشاهد الفيديوهات القصيرة المتلاحقة، واصفة إياها بالمحتوى غير المهم بالنسبة لها، مثل أن تشاهد أحدهم يقوم بغسل السجاد لتلحق بهذا الفيديو مجموعة كبيرة من الفيديوهات الأخرى من دون أن تشعر بالوقت، وتقول لا أدري كيف أقع، كل مرة، في هذا الفخ، كما لو أن أحداً ما يسحبني نحوه”.

وفي العمق، تبدو هذه الجرعات الصغيرة من الترفيه كما لو أنها توفر للمرء الاتصال المرغوب والإشباع السريع، لكن، في نهايتها، يشعر الشخص كما لو أن وعيه سلب منه خلال هذه الدقائق، لينتهي مع مشاعر الندم والحسرة على ضياع الوقت.

ويكشف مقال نشر على مجلة الصحة العقلية في الهند Psychologs أن الطلاب يقضون ما يصل إلى ساعة أو ساعتين يومياً في مشاهدة ما بين 200 إلى 300 مقطع، وأن تعرضهم لهذا الكم من المحتوى يحمل مجموعة متنوعة من التأثيرات السلبية على قدرة التكيف والنوم والقيام بالأنشطة اليومية، وكذلك يسبب تدني احترام الذات وتغير تصور الفرد جسده، وصعوبة في التركيز على أجزاء أطول من المعلومات مثل الكتب أو الأفلام.

ويذكر المختصون أن هناك بعض العلامات التي تدل إلى بداية هذا الإدمان مثل الإحباط المفرط، والغضب الشديد، وقلة ممارسة التمارين الرياضية، وصعوبات التعلم، وقضاء معظم الوقت على الأجهزة المحمولة، وإظهار ردود فعل عنيفة عندما يطلب منهم تقليل الاستخدام.

مخاوف وتأثيرات سلبية

ومع الوقت، يرتفع صوت بعض المخاوف بشأن الفيديوهات القصيرة وتأثيرها المحتمل على الدماغ البشري، لكن ما زالت آراء المتخصصين تتعارض بين محذر ومشجع، فالبعض يشير إلى أنها تسبب ضعفاً في التركيز ما يجعل من الصعب الحفاظ على الاهتمام بالمحتوى ذي المدة الأطول، وكأنها تدرب العقل على الكسل واستسهال استهلاك المحتوى، وبأنها تقوم بإضعاف الذاكرة وقدرات الاستدعاء، إذ قد لا تمنح مدتها القصيرة الدماغ وقتاً كافياً لترميز المعلومات بشكل صحيح، كما ينوهون إلى تأثيرها السلبي على التنظيم العاطفي لأنها غالباً ما تتميز بمشاعر متطرفة أو محتوى مثير، تتسبب في إضعاف الحساسية تجاه محفزات معينة أو تسبب الإدمان على دفعات سريعة من التحفيز، إضافة إلى الوقت الطويل الذي يستهلك أمام الشاشة مقابل تقليل الأنشطة الأخرى.

لكن الحقيقة أنه لا توجد أدلة علمية كافية لدعم مخاوف ضعف الذاكرة والتأثيرات العاطفية، بل يجادل بعض الخبراء بأنها من الممكن أن تحسن، بالفعل، السيطرة على الانتباه، لأنها تتطلب من الدماغ التبديل بسرعة بين المحفزات، أما بالنسبة للإدمان فيعتقدون أنه قضية معقدة تعتمد على عوامل فردية، وليس من العدل إلقاء اللوم على الفيديوهات القصيرة باعتبارها السبب الوحيد.

التوازن بين العالمين

ولكن من الأهمية بمكان أن نأخذ، في الاعتبار، تأثيرات التعرض المفرط للمحتوى الرقمي على جودة حياتنا، ونحقق توازناً بين العالمين الحقيقي والافتراضي، بدلاً من الانغماس المفرط  الذي يمحي الخط الفاصل بين عالم القصص الافتراضي والواقع الملموس للتجارب الحقيقية، لذا ينصح المتخصصون بمجموعة خطوات تصبّ كلها في الاستخدام الصحي والمتوازن لوسائل التواصل الاجتماعي، مثل الحد من الوقت الذي نقضيه على الشاشة وأخذ فترات راحة منتظمة، بغض النظر عن شكل المحتوى ونوعه، وكذلك الحرص على التنويع بإضافة المحتوى الأطول والكتب والأنشطة الخارجية والهوايات الأخرى، والتأكد من مصدر المحتوى حتى لا تقع فريسة غايات خفية لبعض منشئي المحتوى، والوضع في الاعتبار ردود الأفعال العاطفية والجسدية وطريقة تأثير المحتوى على المزاج أو مستويات التوتر، وكذلك يمكن أخذ تدابير عملية أكثر وضوحاً مثل تعطيل إعداد الإشعارات والتدرب تدريجاً على إبعاد الهاتف أو وضعه في غرفة أخرى أثناء العمل، وتخصيص موقع معين في منزلك تستخدم فيه وسائل التواصل الاجتماعي، وأن نضبط، موقتاً، فترة زمنية محددة، نقضيها في مشاهدة “الريلز” كل يوم. وفي النهاية، ينصح الخبراء في حال شعور الشخص بعوارض الإدمان ألا يتردد في طلب مساعدة من قبل مختص قبل أن يتفاقم الأمر أكثر.

 

شاهد أيضاً

مستخدمي العملات المشفرة خسروا أكثر من 43.6 مليون دولار بعد استهدافهم على منصات الألعاب والـ«ميتافيرس»

عروبة الإخباري – كشف تحليل جديد، أن مستخدمي العملات المشفرة خسروا أكثر من 43.6 مليون …