مبدعون من مدينتي: الأديب عباس داخل حسن: قارئ المسافة الجماليّة بوصفه ناقداً مسافاتيّاً

عروبة الإخباري – د. مسلم الطعان/ استراليا –

منذ لقاءنا الأول ذات مساء فراتيّ، وحديثنا عن مفهوم المسافة الجماليّة، وتشّظيها إلى مسافاتٍ أخرى داخل النص وخارجه في عام 2015، أحسست بأن الصديق الأديب السارد-الناقد عباس داخل حسن قد دخل المشغل المسافاتيّ حالماً و متأملاً برويّة و هدوء جريان النهر المسافاتيّ مستكشفاً بشغفٍ ملحوظ جمالية أمواجه وعمق قيعانه، و إن كان عبر مسافة التلميح التي ستتحوّل إلى مسافات التصريح في اعمال قادمة إن شاءالله.

كرّس الأديب عباس داخل حسن جلّ وقته للقراءة والكتابة في منفاه الثلجيّ البعيد بمسافاتٍ شاسعة عن مسافته الجنوبية الأولى: مسافة تشكّل وعيه الفطريّ والمكتسب في مدينة الناصرية، مدينة الحلم والنهم القراءاتي الذي أصاب عشاق الأدب والإبداع والحرية بمّسٍ من الجنون الجماليّ المسافاتيّ بكل ما للكلمة من معنى.

إنَّ الأديب عباس داخل حسن كاتب وناقد عراقيّ مسافاتيّ بإمتياز، ولو قرأنا منجزه الإبداعيّ والكتابيّ المتنوّع نراه يبرع في مسافة الكتابة عن المسرح العراقيّ و الفنّانين نقدياً، و يجيد كتابة المقالة الصحافية الساخرة، و عندما نشدّ الرحال صوب إبداعه السرديّ، و نتأمل مليّاً في مسافاته السردية، نجده قد نشر أولى قصصه القصيرة في مجلة الطليعة الأدبية العراقية في عام 1981، و صدر له سردياً:

كتاب(خطى فراشة: مجموعة قصص قصيرة/ دار الجواهري/ بغداد/ 2015)، و كتاب (مزامير يومية: قصص قصيرة جداً/دار أمل/ دمشق/ 2018)، و في المجال النقدي تعددت مسافاته بين الكتابة النقدية الخالصة، و العمل كمحرر نقدي في العديد من المجلات الأدبية، حيث صدر له في النقد السردي: كتاب (ألق الحكاية: ورقة إستشرافية عن القصة القصيرة جداً/ دار سطور/ بغداد/2015) ، و كتاب ( سقوط السماء في خان الشابندر/ طبعة أولى/ دار الجواهري/ بغداد/ 2016) و ( سقوط السماء في خان الشابندر/ طبعة ثانية/ دار تكوين/ بغداد/2016), و كتاب ( حوارات مع شمس الأدب العربي سناء الشعلان/ الجزء الأول/أمواج للنشر والتوزيع/ عمّان/2020)، و كتاب ( حوارات مع شمس الأدب العربي سناء الشعلان/ الجزء الثاني/أمواج للنشر والتوزيع/عمّان).

ثمَّة مسافة مهمة أخرى إشتغل وأبدع فيها الكاتب عباس داخل حسن، إذ وظّف أدوات وعيه النقدي الثاقب في قراءة الخطاب السردي الطويل والقصير والقصير جداً كناقد سردي و ثقافيّ في عدد من المجلات نذكر منها: مجلة لارسا، و مجلة هوية، و مجلة رواية، و قد حقق الكاتب نجاحاً كبيراً في جمع و تصنيف وتبويب كتاب ( المنجز النقدي عن أدب سناء الشعلان في 12 جزء متسلسل) الذي صدر عن مركز التنوّر الثقافي في فلندا في عام 2023)، والجدير بالذكر أن المبدع المثابر الأستاذ عباس داخل حسن قد أنجز تجربة جريئة و فريدة في المنفى الثلجي الأوروبيّ، إذ فتح نافذة ثقافية عراقية و عربية في فلندا بتأسيسه لمركز التنوّر الثقافي هناك وعمله كمدير له، ومن ذات المركز صدر كتابه النقدي الموسوم( الكثافة الشعرية و تفاصيل السرد في أدب سناء الشعلان ( بنت نعيمه) طبعة أولى، وكذلك عن مؤسسة ( إقرأ) في إيران في عام 2023).

في إطلالته من شرفة المسافة على المشغل الإبداعيّ السرديّ للأديبة والأكاديمية والرحّالة المهمة الدكتورة سناء الشعلان يرصد الكاتب مسافة الكثافة الشعرية في سردياتها بوصفها قاصةً و مبدعةً لأدب الرحلات حيث يقول:

(أهم ما يميّز قصص سناء الشعلان ( بنت نعيمه) و سردياتها لغتها الشاعرية المتوّقدة والمكثّفة ذات العمق الدلالي الخاص و النسيج الفني الدقيق والإنبهار الفينومينولوجي للصور الشاعرية و شجاعة البوح الأنثوي و التوق الجارف الذي تارةً يأتي مباشراً ، و تارةً أخرى يأتي عبر الرمز المؤنسن، و هي تمارس لعبة التشكيل السردي بأشكالٍ مختلفةٍ و أنماط دقيقة في الحبكة و رسم شخصيات قصصها، و ترسم ملامحها و دواخلها و عمقها النفسي من خلال التحوير و تعدد الأبعاد و شعرنة الوصف بكشفٍ هادئ و موحٍ بأدّق التفاصيل حتى لو إخترقت التابوات كلها).

ومن المؤلم جداً أن نذكر بأن الكاتب والناقد المبدع عباس داخل حسن قد عانى كثيراً من مرارة الجحود و عدم الإهتمام، إلا ما ندر، في المراكز الثقافية والإبداعية في العراق عامةً و في مدينته- الأم الناصرية على وجه الخصوص، فهو أديب يستحق أن تقام له الأمسيات وتعقد له الندوات الأدبية والنقدية، و يجب أن تقوم بإستضافته المراكز والمنتديات الثقافية في الجامعات العراقية ليدلي بدلوه النقدي المهم في السرد والنقد والأدب بشكل عام، ومن المهم أن ننوّه أن حفره المسافاتيّ في البنية الجمالية للخطاب الإبداعيّ للكاتبة الدكتورة سناء الشعلان و غيرها، يستحّق أن تمنح له شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب العربي على طبقٍ من ذهب، و هو أهلٌ لها، لأنّه بما يمتلك من وعي مسافاتيّ ثاقب، و منجزٍ إبداعيّ و نقديّ يتجاوز بمسافاتٍ ضوئيةٍ بعيدة أولئك الذين يحملون الشهادات العليا، بيدَ أنَّ بركة تفكيرهم آسنة، إذ هم أسارى أبراجهم العاجية الشاحبة، و في أحسن الأحوال لن يتجاوزوا تخوم مفردات الدرس الأكاديمي البالية

شاهد أيضاً

أحمد الهاشمي: سعادتي غامرة بتحقيق الجوائز

عروبة الإخباري أعرب العازف الإماراتي، أحمد الهاشمي، عن سعادته الغامرة، بعدما كان حصل على الجائزة …