ما المسموح والممنوع في أعالي البحار؟

جرت محاولات لإنشاء مستوطنات و”دستور المحيطات” يحاول تنظيم حقوق وموجبات الدول والشركات

عروبة الإخباري  –

اندبندنت عربية  –

تعرف المادة الأولى من “اتفاقية جنيف” لعام 1958 حول البحر الإقليمي، والمادة 86 من “اتفاقية جامايكا” عام 1982 حول قانون البحار، أعالي البحار (High Seas)، جميع أجزاء البحر التي لا يشملها البحر الإقليمي والمياه الداخلية أو الأرخبيلية لدولة ما، ولا يؤدي نظامها القانوني إلى انتقاص الحريات التي تتمتع بها جميع الدول في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وتتناول بصفة خاصة الحريات في أعالي البحار وحق الدولة في تحديد شروط رفع علمها في سفن أجنبية، مع الإشارة إلى الشرط المثير للجدل القاضي بوجود “صلة حقيقية”، وحقوق دولة العلم والتزاماتها، والقرصنة وحق الزيارة وحق المطاردة وإرساء الكابلات والأنابيب المغمورة في البحر، وتتضمن أيضاً أحكاماً متقدمة ورائدة للغاية بشأن التلوث الناتج من تصريف النفط والنفايات المشعة، وذلك وفقاً لدراسة لتوليو تريفيس وهو أستاذ بجامعة ميلان الإيطالية، وقاض في المحكمة الدولية لقانون البحار، نشرت على موقع مكتبة الأمم المتحدة السمعية البصرية للقانون الدولي، ويشير تريفيس إلى أن تنفيذ الاتفاقية بدأ في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 1994، وتعد ملزمة الآن لـ154 دولة، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي، وذلك اعتباراً من 24 يوليو (تموز) 2008. ووصف هذه الاتفاقية بـ”دستور المحيطات” التي أتت نتيجة جهد “لم يسبق له مثيل وفريد من نوعه حتى الآن لتدوين القانون الدولي وتطويره التدريجي، وحتى تاريخ 23 يوليو 2008 وصل عدد الدول الملزمة بالاتفاقيات والبروتوكولات إلى 52 دولة في اتفاقية البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة، و63 دولة في اتفاقية أعالي البحار، و38 دولة في اتفاقية صيد الأسماك، وحفظ الموارد الحية لأعالي البحار، و58 دولة في اتفاقية الجرف القاري.

 

سوسن مهنا

البحار الحرة

وتشير دراسة نشرت على موقع “الأمم المتحدة” إلى أن المحيطات خضعت منذ فترة طويلة إلى مبدأ حرية الحركة في البحار، حيث وضع هذا المبدأ في القرن الـ17، ليحد بشكل أساس من الحقوق الوطنية والولاية القضائية على المحيطات في حزام ضيق من البحر يحيط بسواحل ذاك البلد، وتكون المساحة المتبقية من البحار حرة وللجميع ولا تنتمي إلى أي بلد، ومع حلول النصف الثاني من القرن الـ20، برزت قوة دافعة لتوسيع الاستحقاقات الوطنية على الموارد البحرية، وتهتم المنظمة الدولية بشكل أساس بالموضوع البيئي، حيث يسود القلق من آثار أساطيل الصيد لمسافات طويلة في الأرصدة السمكية الساحلية، والتهديد المتمثل في التلوث وإلقاء النفايات من السفن وناقلات النفط التي تنقل البضائع الملوثة والضارة بيئياً في الطرق البحرية حول العالم، وتتنافس القوات البحرية المختلفة في العالم في ما بينها للحفاظ على سيطرتها على المياه السطحية وحتى تحت سطح البحر.

حق الدول

يقول العميد المتقاعد في الجيش اللبناني أحمد علو في مقالة بحثية حول المياه الإقليمية إن معاهدة “الأمم المتحدة” أقرت حق كل دولة ساحلية في بسط سيادتها على المياه الإقليمية، وهي تشمل الفضاء الذي يعلو هذه المياه، وكذلك طبقات الأرض التي توجد تحت هذه المياه، وما بينهما من موارد وثروات سمكية أو معدنية، ولكنها فرضت على الدول الساحلية السماح للسفن الأجنبية بحق “المرور البريء” (Innocent Passage)، بشكل لا يتعارض مع أمن هذه الدولة وسلامتها، أو يعرض الإقليم للخطر أو للضرر، وللدولة الساحلية الحق في الصيد واستثمار كل الموارد المتاحة في البحر أو القعر أو الطبقات السفلى من القعر واستخراج الثروات المتاحة من نفط وغاز ومعادن مختلفة. ويشير العميد علو إلى المنطقة المتاخمة (Contiguous Zone)، حيث جاء في المادة 33 من معاهدة “الأمم المتحدة” أن من حق الدول البحرية إقامة منطقة متاخمة لبحرها الإقليمي تمتد 12 ميلاً بحرياً إضافياً ما بعد حدود بحرها الإقليمي باتجاه البحر العام، حيث تمارس فيها صلاحيات الجمارك، ومكافحة الهجرة، ومراقبة الأمور الصحية للسفن التي تقع ضمن بحرها الإقليمي وهذه المنطقة، أي على مسافة تبلغ 24 ميلاً بحرياً من خط الأساس كحد أقصى، وللدولة الحق في تطبيق قانونها الخاص على كل مخالفة لقوانينها الخاصة المتعلقة بالمياه الإقليمية، من حفاظ على ثروتها السمكية، ومنع الغير من الصيد في هذه المياه، أو استغلال الأرض تحت هذه المياه، أو استخراج أي مادة أو التنقيب عنها، لأنها حق من حقوق الدولة الساحلية، شأنها شأن البحر الإقليمي.

ويضيف العميد في الجيش اللبناني، أن المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة، (Exclusive Economic Zone) تمتد حتى 200 ميل بحري اعتباراً من خط الأساس، وللدولة البحرية الحق في التنقيب، واستخدام الموارد الموجودة في البحر وقعره وتحته، وإقامة ما تراه مناسباً من إنشاءات لتوليد الطاقة أو البحوث العلمية، ولكن بشكل لا يعرض الملاحة والبيئة البحرية لأي أخطار مضرة، ولا يتعارض مع حقوق الدول الأخرى المقابلة أو المجاورة، أما بالنسبة لأعالي البحار فإن المياه التي تقع ما بعد المنطقة الاقتصادية الخاصة تعد أعالي البحار، ويسري عليها مبدأ “حرية البحار” وهي مفتوحة لكل الدول الساحلية منها والمقفلة من دون سواحل لاستخدامها كما تشاء، ما عدا تجارة العبيد وتهريب المخدرات، والقرصنة، أو إقامة محطات راديوية أو تلفزيونية غير مرخص بها. ونصت المادتان 88 و89 في “الاتفاقية” على تخصيص أعالي البحار للأغراض السلمية، وعدم صحة ادعاءات السيادة على أعالي البحار، حيث لا يجوز لأي دولة شرعاً إخضاع أي جزء من أعالي البحار لسيادتها.

حماية دولية لأعالي البحار

وفي شهر يونيو (حزيران) الماضي، أقرت الأمم المتحدة أول معاهدة دولية لحماية أعالي البحار، ورحب الأمين العام للمنظمة أنطونيو غوتيريش بإقرار المعاهدة التي وصفها بأنها “إنجاز تاريخي”. معتبراً أنها تؤسس لإطار عمل قانوني لتوسيع نطاق حماية البيئة ليشمل المياه الدولية، أي ما يعادل أكثر من 60 في المئة من محيطات العالم، وتابع “المحيط هو شريان الحياة لكوكبنا، واليوم نجحتم في بث حياة جديدة وأمل في منح المحيط فرصة”. وأتت المعاهدة بعد محادثات استمرت أكثر من 15 عاماً، وشملت مفاوضات رسمية على مدى أربع سنوات، واتفقت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أخيراً على نص المعاهدة في مارس (آذار) الماضي، في أعقاب محادثات ماراثونية. ووفقاً لبيان “وكالة الأنباء الفرنسية” فإن العلماء أدركوا بشكل متزايد أهمية المحيطات التي تنتج معظم الأوكسجين في العالم، وتحد من التغير المناخي، عبر امتصاص ثاني أكسيد الكربون، وتضم مناطق غنية بالتنوع البيولوجي على مستوى مجهري في كثير من الأحيان، لكن في ظل وقوع الجزء الأكبر من محيطات العالم خارج المناطق الاقتصادية الخالصة لكل بلد، مما يعني أنها لا تخضع للولاية القضائية لأي دولة معينة، فإن توفير الحماية لما يسمى “أعالي البحار” يتطلب تعاوناً دولياً. وحالياً، تخضع نسبة واحد في المئة تقريباً من أعالي البحار لتدابير حماية. ولفتت مجموعة من العلماء في مجلة “ذي لانسيت” العلمية إلى أن “المحيطات الصحية، من مياه السواحل وصولاً إلى أعالي البحار وأعماق البحار، أساسية من أجل صحة البشر ورفاههم وبقائهم”. ولفتت ليز كاران من منظمة “بيو تشاريتبل ترستس”  (Pew Charitable Trusts)، غير الحكومية، أن إقرار معاهدة أعالي البحار “سوف يكون إنجازاً هائلاً”، مضيفة لـوكالة الصحافة الفرنسية، أنه “إنجاز احتفلنا به بالفعل عبر وضع اللمسات الأخيرة على نص المعاهدة في مارس”. وتابعت كاران “لكن إقراره يضفي طابعاً رسمياً عليه ويحدد المسار في اتجاه الخطوات المقبلة”.

الاستيطان البحري

في يناير (كانون الثاني) 2017 نشرت صحيفة “غارديان” البريطانية مقالة بعنوان “الاستيطان البحري… خطط قادة التكنولوجيا لإنشاء مدينة عائمة تثير قلق البولينيزيين الفرنسيين”، والاستيطان البحري هو مفهوم إنشاء مساكن دائمة في البحر تسمى المساكن البحرية، في المياه الدولية خارج الأراضي التي تطالب بها أي حكومة، ولم يعترف حتى الآن بأي بناء أنشئ في أعالي البحار كدولة ذات سيادة، وتشمل الأبنية أو الهياكل المقترحة والسفن السياحية المعدلة، ومنصات النفط المعاد تجهيزها، والجزر العائمة المبنية خصيصاً حسب الطلب. عام 1998 لفتت مقالة كتبها واين غرامليتش انتباه باتري فريدمان، إذ بدأ الاثنان العمل معاً على أول كتاب مشترك لهما على الإنترنت عام 2001، ويكشف الكتاب عن عديد من جوانب الإبحار بدءاً من التخلص من النفايات وحتى أعلام المواءمة، (سفينة علم المواءمة هي السفينة التي ترفع علم بلد آخر غير علم البلد المملوكة له). أدى هذا التعاون إلى إنشاء مؤسسة (TSI) غير الربحية عام 2008، وكخطوة وسيطة قامت المؤسسة بتعزيز التعاون مع دولة قائمة في نموذج الجزر العائمة وتتمتع بشبه حكم ذاتي قانوني داخل المياه الإقليمية المحمية للدولة، وفي 13 يناير 2017، وقعت المؤسسة مذكرة تفاهم مع بولينيزيا الفرنسية لإنشاء أول “منطقة بحرية” شبه مستقلة لنموذج أولي، ولكن في وقت لاحق من ذلك العام أدت التغييرات السياسية الناجمة عن الانتخابات الرئاسية في بولينيزيا الفرنسية، إلى تأجيل المشروع إلى أجل غير مسمى، وانسحبت بولينيزيا الفرنسية رسمياً من المشروع، وقطعت علاقاتها بشكل دائم مع “المؤسسة” في 14 مارس 2018.

وفي عام 2019 أطلقت شركة (Ocean Builders) أول منزل عائلي بحري بالقرب من جزيرة فوكيت في تايلاند، وبعد شهرين زعمت البحرية التايلاندية أن “الملكية” تمثل تهديداً للسيادة التايلاندية، وخلال العام نفسه قالت الشركة إنها ستقوم بالبناء مرة أخرى في بنما، بدعم من المسؤولين الحكوميين، لكن عام 2022، أصبح وضع المشروع غير مؤكد.

 

 

شاهد أيضاً

2024… “عام الانتخابات” العالمي الملغم بالذكاء الاصطناعي

تفتح لجان الاقتراع بـ80 دولة أبوابها وسط مخاوف من البيانات المضللة عروبة الإخباري – اندبندنت …