من حوالي أسبوعين، جتني مكالمة مفاجئة من خالتو فاطمة جبر..
خالتو اللي عايشة في أمريكا من سنين طويلة، هي وبنتها سارة.. صاحبتي وحبيبتي، ومش بس قريبتي.
أول ما سمعت صوتها قلت لها:
«خالتو.. إنتِ في مصر؟ أنا شامّة ريحتك.. شامّة ريحة ماما!»
ضحكت وقالت لي:
«آه يا حبيبتي.. أنا في مصر».
والأجمل من كده إنها كانت في الإسماعيلية كمان!
واتقابلنا في نفس اليوم..
أما سارة، فحكايتها لوحدها.
بنت سافرت أمريكا، واتجوزت أمريكي، وخلفت يحيى وتاليا، وخدت الجنسية الأمريكية.. وخالتو كمان بقت أمريكية الجنسية وعاشت هناك سنين طويلة.
لكن آخر مرة شفتهم فيها في بيت ماما، كان يحيى وتاليا لسه بيبيهات..
خالتو وسارة جم عندنا وقتها بعربية البيبي كار، شايلة يحيى وتاليا، والدنيا كلها وقتها كانت لسه في بدايتها.
النهارده يحيى عنده 12 سنة، وتاليا عندها 10 سنين.
واللي أدهشني وأسعدني بجد، إن الاتنين بيتكلموا مصري حلو قوي.. بنفس مفرداتنا، وبنفس لهجتنا، وبنفس الدفء اللي بنسمعه في كلام أهلنا.
وقفت عند الحكاية دي كتير..
قد إيه الإنسان لما يحب بلده بجد، يقدر يزرع حبها في أولاده، حتى لو اتولدوا بعيد عنها.
وقد إيه اللهجة مش مجرد كلمات..
اللهجة ذاكرة.. وانتماء.. وصوت بيت.. ورائحة أم.. وضحكة جد.. وحكايات عيلة.
سارة أنجبت أولادها في أمريكا، لكن يبدو أنها أخذت مصر معها أيضًا.
وأنا، بصراحة، أعتقد إن سارة علّمت أمريكا معنى آخر للحب والحنين..
علّمتها إن المسافات ممكن تكبر، والسنين ممكن تطول، والجنسيات ممكن تتغير، والبيوت ممكن تتبدل..
لكن القلب الذي يعرف أهله، لا ينسى الطريق إليهم.
قعدنا نفتكر أيام زمان..
أيام ما كنا بنتجمع كل أسبوع في بيت جدو جبر، ونقعد كلنا مع بعض.. أنا وخالاتي، اللي كانوا بنات عم ماما، ومع جدي الكبير.. عمدة المحطة الجديدة، ومؤذن مسجد المحطة الجديدة الشهير.
كان كبيرنا..
وكان هو اللي بيجمعنا.
وكان للّمة وقتها طعم مختلف..
كان لنا كبير، وكانت لنا روح، وكان لنا بيت نرجع له.. ووجوه نعرفها من غير ما نسأل:
«إنتِ مين؟»
خالتو فاطمة قعدت تحكيلي عن كل حاجة..
تحكي بسرعة.. بسرعة..
كأننا في سباق مع الوقت، وكأن السنوات العشر اللي فاتت كلها عايزة تتحكي في ليلة واحدة.
وقعدنا..
واتكلمنا..
وضحكنا..
وافتكرنا.
وقضيت معاهم يومًا من أجمل الأيام.
سهرنا، واتعشينا سي فود، وروحنا البيت متأخر جدًا..
لكنني وأنا راجعة، ما كنتش شايلة معايا بس تفاصيل يوم جميل..
كنت شايلة عمري كله.
شايلة كل الوجوه اللي غابت..
وكل الأيام اللي مضت..
وكل الضحكات اللي كنا فاكرين إننا فقدناها..
وكل تفاصيل بيت ماما..
وكل إحساس الأمان اللي ما بيمنحوش غير العيلة الحقيقية.
وفي اللحظة دي أدركت شيئًا جميلًا جدًا..
طول ما عندك عيلة كويسة، وناس حقيقيين بيحبوك بجد..
عمرك ما هتبقى وحيد.
حتى لو افتكرت إنك فقدتهم مائة ألف مرة..
حتى لو فرّقت بينكم البلاد..
حتى لو أخذت كل واحد فيكم الحياة إلى مكان بعيد..
الحب الحقيقي يعرف طريقه دائمًا.
وسارة..
يا القلب الجميل من جوه ومن بره..
رجوعك لمصر، وزيارتك لبيت مامتك، واتصالك بحبايبك، ولقاؤنا بعد كل السنين دي، كان بالنسبة لي أكبر من مجرد زيارة..
كان استدعاءً للحنين.
كان تذكيرًا بأن بعض الناس لا يحتاجون إلى لقاءات كثيرة كي يظلوا قريبين..
يكفي أن نلتقي، فنكتشف أن شيئًا في القلب لم يتغير.
وكان يومًا جميلًا جدًا بحضور خالتو سميرة وابنها موسى، وبكل هذا الدفء اللي رجّع لنا إحساس اللمة.
يا رب..
ما تحرمناش من حبايبنا..
وما تجعلش المسافات تبعد بين قلوب بتحب بعض.
وما تحرمناش أبدًا من بيت نحس فيه إننا لسه أطفال..
ولا من عيلة، كل ما نلتقي بها، يرجع لنا شيء من عمرنا الجميل.
لأن بعض الزيارات لا تكون مجرد زيارة..
بعض الزيارات تعيد إلينا أعمارًا كاملة.
أما عن سارة ورحلة استخراج بطاقتها المصرية الشخصية، فلنا معها مقال آخر..
وإلى أن نكتب هذا المقال، سيظل في قلبي شيء واحد أقوله:
يا خالتو..
إيه ده يا بنتي، كل الجمال ده، وكل الإخلاص ده، وكل الحب ده للوطن!
عاش الكرام.. عاش.
