هناك أشخاص تلتقيهم مرة، فتنتهي الحكاية عند حدود المصافحة والصورة والكلمات العابرة. وهناك أشخاص، ما إن تجلس معهم، حتى تشعر أن وراء ملامحهم حكاية أخرى… أعمق، أدفأ، وأكثر إثارة للاكتشاف.
جويل عرموني من النوع الثاني.
ولهذا أكتب عنها اليوم.
لم تكن معرفتي بها مجرد معرفة عابرة بإعلامية محترفة اعتدنا أن نراها أمام الكاميرا، بوهج حضورها وثقتها وأناقتها. اكتشفتها عن قرب خلال زيارتها إلى عمّان العام الماضي برفقة زوجها إيلي، وهناك، بعيدًا عن عدسات الاستوديو وأضواء المناسبات، رأيت وجهًا آخر لجويل.
وجهًا لا تصنعه الكاميرا.
فالإنسان الحقيقي لا تكشفه الشاشة، بل تكشفه التفاصيل الصغيرة: طريقة حديثه، ضحكته حين يكون مرتاحًا، نظرته إلى من حوله، عفويته حين تسقط الرسميات، وكيف يتعامل مع الناس حين لا يكون مضطرًا لأن يكون تحت الضوء.
وهنا كانت المفاجأة الجميلة.
جويل التي تبدو قوية أمام الجمهور، تحمل في داخلها رهافة لا تقل قوة عن حضورها.
امرأة تعرف ماذا تريد، لكنها لا تحتاج إلى رفع صوتها كي تثبت ذلك. تمتلك ثقة تشبه الهدوء، وأناقة لا تتكلفها، وذكاءً اجتماعيًا يجعل الجلسة معها تتجاوز المجاملات إلى مساحة أكثر صدقًا وإنسانية.
أما جمالها، فحكاية أخرى.
نعم، لجويل تلك اللمسة التي تخطف العين، لكن الجمال في حالتها ليس مجرد ملامح جميلة أو إطلالة أنيقة. هناك شيء آخر لا تصنعه مستحضرات التجميل ولا تلتقطه الكاميرات بسهولة: كاريزما.
والكاريزما، كما نعرف، لا تُشترى ولا تُدرّس.
إما أن تسكن الشخص… أو لا.
جويل تسكنها الكاريزما.
ومن الجميل أن تكتشف أن المرأة التي تعرف كيف تكون لامعة في العلن، تعرف أيضًا كيف تكون بسيطة في القرب. وأن الإعلامية التي تمتلك أدوات المهنة، تمتلك في حياتها الخاصة مساحة واسعة للإنسانية والدفء.
وفي حضور زوجها إيلي، كان ثمة تفصيل آخر يستحق التوقف.
بعض العلاقات لا تحتاج إلى شرح طويل؛ يكفي أن ترى الانسجام في النظرات، وفي طريقة الحديث، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها إلا من يراقب بعين محبة. وجودهما معًا في عمّان لم يكن مجرد زيارة عابرة، بل ترك لديّ انطباعًا عن ثنائي يعرف كيف يصنع من الصحبة حالة من الألفة والراحة.
ومن هنا، أجد نفسي أكتب عن جويل لا بوصفها إعلامية فقط، بل بوصفها شخصية تستحق أن تُكتشف خلف الصورة.
فالصورة تقول: إعلامية جميلة وحاضرة.
أما اللقاء فيقول شيئًا أعمق:
هذه امرأة لديها الكثير لتقوله حتى عندما لا تتحدث.
وهذه، في رأيي، إحدى علامات الشخصيات الاستثنائية.
أن يكون حضورك أقوى من كلماتك، وأن تترك أثرًا لا لأنك حاولت أن تتركه، بل لأن شيئًا فيك بقي عالقًا في ذاكرة من التقاك.
جويل عرموني ليست فقط وجهًا يعرف كيف يواجه الكاميرا.
هي شخصية تعرف كيف تواجه الحياة.
تدخل المكان بثقة، وتترك خلفها شيئًا من الضوء.
تبتسم… فتخفّ حدة اللحظة.
تتحدث… فتشعر أن وراء الكلمات عقلًا حاضرًا.
وتصمت… فلا يصبح الصمت فراغًا.
وهنا تحديدًا فهمت لماذا تستحق جويل أن يُكتب عنها.
لأن بعض النساء يُلفتن النظر… وبعضهن يلفتن الذاكرة.
وجويل، بالنسبة لي، من النساء اللواتي لا تنتهي قصتهن عند انتهاء اللقاء.
بل تبدأ منه.
