في المشهد الإعلامي العربي الذي يتسم بالتقلب بين الخطاب التقليدي ومحاولات التجديد، تظهر الإعلامية الدكتورة ماجدة داغر كواحدة من الأسماء التي فرضت حضورًا لافتًا يقوم على الاشتباك المباشر مع القضايا المركبة، لا سيما تلك التي تقع عند تقاطع السياسة والإعلام والتكنولوجيا. فهي لا تكتفي بدور المعلّق على الأحداث، بل تميل إلى تفكيك بنيتها العميقة، والبحث في خلفياتها غير المرئية، وهو ما منح تجربتها طابعًا تحليليًا متمايزًا داخل فضاء إعلامي غالبًا ما يميل إلى السطحية أو التبسيط.
هذا الحضور لم يتشكل فجأة، بل جاء نتيجة تراكم في الاشتغال على القضايا الثقافية والفكرية، قبل أن يتبلور بشكل أوضح في مشروعها الإعلامي “برزخ”، الذي يمثل نقطة تحول واضحة في مسارها، من الاشتغال الثقافي إلى مقاربة أكثر جرأة وعمقًا في تحليل بنية العالم المعاصر.
برنامج “برزخ” لا يقدّم نفسه كبرنامج إخباري أو توثيقي بالمعنى التقليدي، بل كمساحة تفكير مفتوحة حول التحولات الجذرية التي تعيد تشكيل مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين. فالعالم، كما يقدمه البرنامج، لم يعد يُدار فقط عبر الجيوش والدبلوماسية، بل عبر منظومات أكثر تعقيدًا تشمل الخوارزميات، تدفق البيانات، هندسة الرأي العام، وحروب الإدراك.
من هنا، تأتي قوة “برزخ” في كونه يتعامل مع الظواهر لا بوصفها أحداثًا منفصلة، بل كجزء من شبكة مترابطة من التأثيرات. فالمصطلحات التي يستخدمها، مثل “مرتزقة الشاشات”، و”البروباغندا الرمادية”، و”خوارزمية قاتلة”، ليست مجرد عناوين صادمة، بل محاولات لتسمية واقع جديد يتشكل خارج الأدوات التحليلية التقليدية.
في إحدى أبرز زوايا البرنامج، يتم التركيز على فكرة أن الصراع لم يعد محصورًا في الجغرافيا، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي، حيث تتحول المنصات إلى ساحات تأثير غير مرئية، ويصبح الفرد ذاته جزءًا من منظومة إنتاج وإعادة إنتاج الرسائل. هنا، تتداخل السياسة بالإعلام بالتكنولوجيا، بشكل يجعل الفصل بينها شبه مستحيل.
كما يطرح البرنامج أسئلة حادة حول مستقبل القرار في عصر الذكاء الاصطناعي: من يملك السلطة الحقيقية؟ هل هو الإنسان الذي يصمم الأنظمة، أم النظام ذاته حين يبدأ باتخاذ القرار؟ هذا النوع من الأسئلة يعكس انتقال الخطاب من التوصيف إلى التفكيك، ومن السرد إلى التحليل البنيوي.
وفي المقابل، لا يتجاهل “برزخ” بُعد الجغرافيا التقليدية، بل يعيد قراءته من منظور جديد، كما في تناوله لحروب المضائق والممرات الاستراتيجية، حيث يظهر أن الاقتصاد الرقمي، رغم طابعه غير المادي، لا يزال مرتبطًا ببنى تحتية مادية حساسة يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوى العالمية.
في النهاية، لا يبدو “برزخ” مجرد برنامج إعلامي، بل محاولة واعية لفتح نافذة على منطقة شديدة التعقيد من العالم المعاصر، حيث تتقاطع الحقيقة مع صناعتها، والقوة مع أدواتها الجديدة، والوعي مع إعادة تشكيله.
وبين الجرأة في الطرح وعمق الأسئلة المطروحة، يرسّخ هذا المشروع حضورًا إعلاميًا مختلفًا يراهن على التفكير أكثر من التلقي، وعلى التفكيك أكثر من السرد.
وإذا كان هذا المسار يعكس شيئًا، فهو أن التجارب الإعلامية الجادة ما زالت قادرة على خلق أثر حقيقي حين تمتلك الشجاعة للاقتراب من المناطق الرمادية في العالم.
وفي هذا السياق، يبقى الباب مفتوحًا أمام مزيد من المشاريع والأعمال التي تحمل بصمة ماجدة داغر، مع توقعات بمزيد من التطوير والاشتباك المعرفي في القادم من التجارب.
