افتتح صالون الدكتورة الإعلامية، عبير العربي، المميز، والثقافي أولى فعالياته بندوة نوعية جمعت بين الأدب وعلم النفس، في خطوة عكست توجه الصالون نحو طرح القضايا الإنسانية والمجتمعية ذات الأثر العميق في حياة الأفراد والأسرة. وقد جاءت الندوة لمناقشة عمل أدبي تناول العلاقات المؤذية وآثار الشخصية النرجسية، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن النفسي والتربوي، وبمشاركة الدكتورة شيماء صبحي، المتخصصة في علم النفس والتدريب الحياتي.
وفي مستهل اللقاء، أشادت الكاتبة والإعلامية الدكتورة عبير العربي بالعمل المطروح للنقاش، مؤكدة أن اختيار هذه القضية يعكس وعياً حقيقياً بأهمية الأدب بوصفه أداة للتنوير والتغيير المجتمعي، وليس مجرد وسيلة للسرد أو الترفيه.
وأكدت أن تناول موضوعات شائكة مثل النرجسية والعلاقات المؤذية يمثل خطوة رائدة ومميزة وشجاعة، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة إلى رفع الوعي النفسي داخل المجتمع، مشيرة إلى أن العديد من الأزمات الإنسانية تبدأ من غياب المعرفة بطبيعة هذه الأنماط السلوكية وتأثيراتها الممتدة على الفرد والأسرة.
وقالت إن افتتاح صالون عبير العربي بمثل هذه القضية يحمل دلالة واضحة على الرسالة التي يسعى الصالون إلى ترسيخها، وهي بناء مساحة حوار جادة تجمع بين الثقافة والمعرفة والوعي المجتمعي، وتمنح القضايا الإنسانية مساحة تستحقها من النقاش والتحليل.
وشهدت الندوة حواراً ثرياً حول مفهوم النرجسية، حيث أوضحت الدكتورة شيماء صبحي أن الشخصية النرجسية لا تظهر دائماً بالصورة التقليدية المعروفة، بل قد تتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وخفاءً، وهو ما يعرف بالنرجسية الخفية، التي تعتمد على التلاعب العاطفي واستدرار التعاطف وإشعار الآخرين بالذنب، مقابل النرجسية الظاهرة التي تتسم بالسيطرة المباشرة والشعور المبالغ فيه بالاستحقاق.
كما تناول النقاش أهمية الوعي بالذات وتقدير النفس بوصفهما حجر الأساس في حماية الإنسان من الوقوع في دوائر الاستنزاف النفسي والعاطفي. وأكد المشاركون أن الشخص الواعي بقيمته وقدراته يكون أكثر قدرة على اكتشاف العلاقات غير الصحية واتخاذ قرارات متزنة تجاهها.
وتطرقت الندوة إلى عدد من المؤشرات التي قد تدل على وجود علاقة مؤذية، من بينها التبرير المستمر للتصرفات، والشعور الدائم بالذنب، وفقدان الثقة بالنفس، والصمت العقابي، والتشكيك المتكرر في المشاعر والإدراك الشخصي.
ولم يقتصر الحوار على تشخيص الظاهرة، بل امتد إلى مناقشة سبل الوقاية منها، حيث شدد الحضور على أهمية التربية القائمة على الثقة بالنفس والاستقلالية والوعي بالحدود الشخصية، إلى جانب تعزيز الدعم الأسري والاجتماعي باعتباره أحد أهم عوامل الحماية النفسية.
وفي ختام الندوة، أجمع المشاركون على أن الأدب الواعي قادر على أداء دور مؤثر في كشف القضايا المسكوت عنها وفتح مساحات للنقاش المجتمعي المسؤول، مؤكدين أن نشر الثقافة النفسية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة مجتمعية تسهم في بناء أفراد أكثر وعياً وقدرة على إقامة علاقات صحية ومتوازنة.
وجاءت هذه الندوة لتؤكد منذ انطلاقة صالون عبير العربي أن رسالته تتجاوز الفعل الثقافي التقليدي، نحو مشروع معرفي وإنساني يضع الوعي في صدارة أولوياته، ويمنح القضايا التي تمس الإنسان وحياته اليومية مساحة جادة للحوار والتفكير.
