عروبة الإخباري –
عمون –
في مكانٍ ما بين وجوهنا وشاشاتنا، فقدنا شيئًا صغيرًا كان يجعل العلاقات أكثر دفئًا، إنها لغة العيون.
هي لغة صامتة كانت يوماً ما تكفي لتقول ما تعجز عنه الصفحات الطويلة والكلمات الكثيرة.
اليوم أصبح العالم أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكن المفارقة بأن الإنسان منا بات بات أكثر وحدة. نجلس حول الطاولة نفسها، في المقهى ذاته، داخل البيت الواحد، بينما عيون الجميع معلّقة على شاشة صغيرة تضيء أكثر مما تُشعر. لم تعد العيون تبحث عن العيون كما في السابق، بل عن إشعار جديد، أو رسالة سريعة، أو صورة أخرى تمرّ بلا أثر حقيقي.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو “لغة العيون” اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
العين ليست مجرد أداة للرؤية، بل مساحة كاملة للمشاعر الإنسانية. فالعلم يؤكد أن التواصل البصري المباشر ينشّط مناطق في الدماغ مرتبطة بالتعاطف والثقة والارتباط الإنساني، كما يحفّز إفراز هرمونات مسؤولة عن الشعور بالأمان النفسي. ولهذا كثيرًا ما نشعر براحة غريبة تجاه شخص ما قبل أن نتبادل معه الحديث؛ فالعين تلتقط ما تعجز اللغة أحيانًا عن شرحه.
وربما تبدأ “لغة العيون” مع الإنسان منذ لحظاته الأولى في الحياة. فالطفل لا يتعلم الأمان عبر الكلمات، بل عبر نظرة والدته. من عينيها يفهم الطمأنينة والخوف والحنان والاهتمام. وقد أظهرت دراسات في علم النفس أن التواصل البصري بين الأم وطفلها يلعب دورًا أساسيًا في بناء الشعور بالأمان العاطفي وتطوّر الروابط الاجتماعية لاحقًا. وربما لهذا تبقى العين، حتى بعد أن يكبر الإنسان، تبحث وبشكل غريزي عن نظرة تشبه ذلك الأمان الأول.
ومن الحقائق المدهشة أن المشاعر غالبًا تظهر في العينين قبل الكلمات.
السعادة تنعكس عبر لمعان النظرة واتساعها الطبيعي، بينما يحمل الحزن ثقله في الجفون المنخفضة وبطء الرمش. حتى القلق يمكن ملاحظته في النظرات المشتتة التي لا تستقر طويلًا في مكان واحد. وكأن العين، رغم صمتها، أكثر أعضاء الجسد صدقًا.
الأدب والفلسفة القديمة يصفان العين دائمًا بأنها “مرآة الروح”، ففي كتاب “لغة العيون” وصفت العين كلغة قائمة بذاتها؛ فطريقة النظر، وثبات العين أو ارتباكها، وحتى تلك النظرة العابرة التي يصعب تفسيرها، تحمل رسائل تتجاوز الكلمات نفسها.
وربما هنا تكمن إحدى الحقائق التي بدأنا نغفل عنها في عصر السرعة الرقمية بأنه لا يمكن لأي حوار أن يكون حقيقيًا بالكامل من دون لغة الجسد، وفي قلبها التواصل البصري. فالكلمات وحدها لا تكفي لبناء الفهم الإنساني. الإنسان لا يصغي فقط لما يُقال، بل للطريقة التي يُقال بها؛ ولنبرة الصوت، ولتعابير الوجه، ولتلك النظرة التي تمنح الجملة معناها الحقيقي.
كم مرة قالت العيون ما لم تستطع الكلمات قوله؟ وكم مرة كشف النظر المرتبك خوفًا، أو عبّرت نظرة مطمئنة عن دعم أعمق من أي خطاب طويل؟
في علم التواصل الإنساني، يُعتبر التواصل البصري أحد أهم عناصر بناء الثقة والمصداقية. فالأشخاص الذين يحافظون على تواصل بصري متوازن يُنظر إليهم غالبًا على أنهم أكثر صدقًا واهتمامًا وحضورًا.
ولهذا السبب يصعب بناء علاقة إنسانية مستقرة وآمنة من دون تفاعل حقيقي، ومن دون تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنه “مرئي” بالواقع أمام الآخر، لا مجرد اسم على شاشة.
هل حقيقية أن الإنسان في عصرنا الحاضر بدأ ينسحب تدريجيًا من هذا النوع من التواصل الحقيقي.
شيئًا فشيئًا، بدأ كثيرون يعيشون بنسختين؛ واحدة حقيقية مرهقة تواجه الحياة اليومية، وأخرى رقمية مصقولة بعناية، تُنتقى لها الصور والكلمات والانفعالات. خلف الشاشة يبدو كل شيء أكثر قابلية للسيطرة؛ يمكن تعديل الصورة، حذف الرسالة، التفكير طويلًا قبل الرد، وحتى إخفاء التعب الحقيقي خلف “حالة” أو ابتسامة افتراضية.
أما في اللقاءات الواقعية، فالأمر مختلف تمامًا.
هناك عيون تقرأ، وتلاحظ، وتلتقط الارتباك والتردد والحزن المخفي. وربما لهذا السبب أصبح كثيرون يفضلون المساحات الرقمية؛ لأنها تمنحهم نوعًا من الحماية النفسية من الأحكام المباشرة أو المواجهة الإنسانية الثقيلة.
يصف علم النفس هذا أحيانًا بما يُعرف بـ The Disinhibition Effect؛ أي أن الإنسان يصبح أكثر جرأة خلف الشاشة لأنه بعيد عن ردود الفعل البشرية المباشرة. فلا توجد عين مقابلة تُربكه، ولا صمت حقيقي يجبره على مواجهة مشاعره. كما أن تصاعد ثقافة الأحكام السريعة و”الإلغاء” الاجتماعي جعل البعض يشعر بأن العالم الواقعي أكثر قسوة من المساحات الافتراضية الأقل مخاطرة.
لكن المشكلة أن هذا “الأمان الرقمي” جاء على حساب شيء أعمق بكثير وهو الحضور الإنساني نفسه.
فالرسائل السريعة والرموز التعبيرية، مهما بدت عملية، لا تستطيع أن تنقل دفء النظرة، أو ذلك الصمت المريح بين شخصين يفهم أحدهما الآخر دون شرح. حتى الأطفال اليوم يكبرون وسط شاشات أكثر من الوجوه، ما يجعل كثيرًا من المختصين يحذرون من تراجع القدرة على قراءة التعابير الإنسانية الدقيقة والتواصل العاطفي الطبيعي.
وربما نحن حقيقة نستهين بلغة العيون. نستهين بتلك النظرة السريعة التي تطمئن، أو تعتذر، أو تمنح الأمان. نستهين بقدرة العين على بناء الجسور بين البشر، وعلى اختصار مسافات نفسية طويلة دون كلمة واحدة.
ربما نحن لا نعاني من نقص في وسائل التواصل، بل من نقص في “الاتصال” الحقيقي.
نحتاج أن ننظر أكثر إلى من نحب، وأن نصغي بأعيننا قبل كلماتنا، وأن نتذكر أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى من يسمعه… بل إلى من يراه فعلًا.
فمهما تطورت التكنولوجيا، ومهما ازدادت سرعة هذا العالم، ستبقى هناك حقيقة بسيطة لا يمكن استبدالها وهي بأن بعض المشاعر لا تُقال، بل تظهر بهدوء في العينين.
