في لحظة تاريخية تعيد رسم خرائط المنطقة بالدم والنار، لا مكان للوهم، ولا وقت للمجاملات السياسية الرخيصة. الحقيقة باتت أوضح من أن تُخفى: ما يجري ليس خلافًا عابرًا، ولا أزمة مؤقتة، بل مشروع متكامل تُديره حكومة متطرفة يقودها بنيامين نتنياهو، مشروع قائم على فرض الوقائع بالقوة، وإعادة تشكيل المنطقة وفق عقلية لا ترى في السلام إلا ضعفًا، ولا في القانون إلا عائقًا.
ومن هنا، لم يكن الموقف الأردني يومًا ارتجاليًا، ولا انفعاليًا. بل كان — ولا يزال — مبنيًا على قراءة عميقة لما يُحاك في الغرف المغلقة قبل أن يظهر على الشاشات. الأردن يدرك، بحكم التاريخ والدور، أن المسألة لا تتوقف عند حدود السياسة، بل تمتد إلى الهوية والوجود، خاصة حين يتعلق الأمر بـ المسجد الأقصى، الذي لم يعد مجرد موقع ديني، بل عنوان صراع ومحور اختبار للنوايا الحقيقية.
رفض اللقاء؟ لم يكن مفاجأة! بل كان أقل ما يمكن فعله أمام سياسات تُمعن في التصعيد، وتُصرّ على الاستفزاز، وتتعامل مع المنطقة وكأنها ساحة مفتوحة لفرض الهيمنة، الرفض هنا ليس موقفًا دبلوماسيًا فقط، بل إعلان واضح أن الأردن لا يُدار بردود الفعل، ولا يُستدرج إلى مسرحيات سياسية هدفها تلميع صورة واقع لا يمكن تلميعه.
لكن، ورغم وضوح الصورة خارجيًا، يبقى المشهد الداخلي هو التحدي الأخطر.
المشكلة ليست في قلة المعلومات، بل في قلة الوعي. ليست في غياب التحليل، بل في هيمنة السطحية. نخبٌ تتصدر المشهد، لكنها عاجزة عن قراءة أبعد من عنوان الخبر. نخبٌ تتعامل مع أخطر التحولات في تاريخ المنطقة وكأنها مجرد موجة إعلامية عابرة، أو فرصة لتسجيل نقاط، أو لتلميع الذات.
أي سذاجة هذه؟ وأي قصر نظر؟
المنطقة تدخل مرحلة ما بعد الحرب، مرحلة لن تُقاس فيها الدول بعدد بياناتها، بل بقدرتها على التكيّف، على إعادة التموضع، على فهم أين تقف وماذا تريد. هذه ليست لعبة شعارات، ولا ساحة مزايدات.
ومع ذلك، ما زلنا نرى من يختزل كل ذلك في خطاب شعبوي، أو تحليل سطحي، أو تفكير انتهازي يرى في كل أزمة “فرصة” — لا لحماية الوطن، بل لتعزيز موقعه الشخصي. وكأن الوطن تفصيل، وكأن الخطر مبالغة، وكأن الزمن سيتوقف بانتظار من لم يستوعب بعد ما يحدث.
الحقيقة القاسية التي يهرب منها البعض: أن القادم أصعب. وأن التغيرات لن تكون تجميلية، بل جذرية. وأن من لا يمتلك وعيًا استراتيجيًا اليوم، لن يكون له مكان غدًا.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج، ولا إلى خطابات انفعالية تُستهلك في ساعات. الأردن يحتاج إلى نخب تفهم أن الأمن ليس شعارًا، وأن الاستقرار ليس صدفة، وأن الموقع الجغرافي ليس ميزة فقط — بل تحدٍ دائم.
نحتاج إلى عقول تُدرك أن الحفاظ على الدولة في زمن الفوضى الإقليمية هو معركة بحد ذاته. وأن اتخاذ موقف صلب في وجه سياسات عدوانية ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية.
أما أولئك الذين ما زالوا يعيشون في أوهام التحليل السريع، والانطباعات السطحية، فعليهم أن يدركوا حقيقة واحدة:
التاريخ لا ينتظر أحدًا…
ومن لا يقرأ التحولات، سيُكتب عليه أن يكون ضحيتها
حين تسقط الأقنعة: الأردن في عين العاصفة… زمن يكشف الوعي من الوهم* الدكتور محمد أبو هديب
5
المقالة السابقة
