عروبة الإخباري محرر الشؤون البرلمانية –
في لحظاتٍ مفصلية من عمر الأوطان، لا يُقاس حضورُ الفاعلين العامّين بكثرة ما يُقال، بل بعمق ما يُصاغ من رؤى قادرة على إعادة توجيه المسار نحو المصلحة الوطنية العليا، وفي هذا الإطار، تسطع شمس النائب الدكتورة هدى نفاع بوصفها أحد الأصوات البرلمانية الأكثر اتزانًا ووضوحًا، في مقاربتها لتعديلات قانون الضمان الاجتماعي، حيث جمعت بين الجرأة في الطرح، والصرامة في التشخيص، والالتزام الكامل بالمسؤولية الوطنية.
لقد جاء موقفها ليس كتعليق عابر على مسودة قانون، بل كقراءة عميقة لبنية نظامية تحتاج إلى إصلاح جذري لا ترقيع جزئي. فقد أكدت بوضوح أن معالجة الخلل لا يمكن أن تتم عبر حلول تجزئية قد تنعكس سلبًا على المواطنين، بل من خلال رؤية شمولية تعيد بناء التوازن داخل منظومة الضمان الاجتماعي بما يحفظ حقوق الأجيال الحالية والمستقبلية.
وفي جوهر طرحها، ارتقت نفاع بالنقاش من مستواه التقليدي إلى مستوى التفكير المؤسسي القائم على العلم والمعرفة، حين شددت على أهمية الدراسات الاكتوارية الدورية، وهو طرح يستند إلى أدوات الرياضيات والإحصاء في تحليل المخاطر واستشراف التحولات الديموغرافية والاقتصادية، بما يعكس فهمًا دقيقًا لطبيعة الأنظمة التأمينية التي لا تُدار بالارتجال، بل بالتخطيط المبني على البيانات.
كما أن دعوتها إلى تنشيط صندوق الاستثمار وتعزيز كفاءة الصناديق التأمينية، تعكس إدراكًا واضحًا بأن الاستدامة المالية لا تتحقق بتحميل المواطن أعباء إضافية، بل بإدارة رشيدة للموارد، واستثمارها وفق سياسات فعّالة تضمن الاستمرارية وتعزز الثقة في مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، شددت على أهمية المراجعة الدورية للأنظمة وفق المعايير الدولية، بما ينسجم مع التوجهات التي تعتمدها منظمة العمل الدولية، والتي تؤكد أن الأنظمة التأمينية الناجحة هي تلك القادرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، لا تلك الجامدة أمام التحولات.
لكن البعد الأبرز في خطابها، والذي يمنحه ثقله الحقيقي، هو انحيازها التام والقوي والصريح للوطن والمواطن في آن واحد، دون افتعال أي تناقض بين الطرفين. فقد قدّمت رؤية متوازنة تؤمن بأن قوة الدولة لا تنفصل عن حماية المواطن، وأن صون حقوق المواطنين هو في جوهره تعزيز لاستقرار الدولة ومؤسساتها. هذا الانحياز المزدوج لم يكن شعاراتيًا، بل تجسيدًا عمليًا لفهم عميق لمعادلة الحكم الرشيد.
كما تجنبت نفاع الوقوع في فخ الشعبوية من جهة، أو القسوة المالية غير المبررة من جهة أخرى، وقدّمت خطابًا ناضجًا يؤسس لسياسات عادلة ومستدامة، تُبنى على التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية، دون الإخلال بأي طرف من أطراف المعادلة.
إن ما طرحته الدكتورة هدى نفاع يتجاوز كونه موقفًا تشريعيًا، ليشكّل رؤية إصلاحية متكاملة تعيد تعريف دور النائب بوصفه شريكًا في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ له. رؤية تُراهن على العقل، وتستند إلى العلم، وتنحاز بصدق للوطن والمواطن معًا.
وفي زمن تتعدد فيه الأصوات وتتشابه فيه الخطابات، يبقى هذا النوع من الطرح علامة فارقة، لأنه لا يسعى إلى الاستقطاب، بل إلى البناء؛ ولا يلهث وراء اللحظة، بل يستشرف المستقبل؛ ولا ينحاز لفئة دون أخرى، بل ينحاز للدولة بكل مكوناتها.
