عروبة الإخباري –
الدستور –
في كل عام، يحتفل العالم بأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، المبادرة التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في الجلسة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010، تأكيدًا على ضرورة تعزيز الحوار والتفاهم بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، في عالم تتسارع فيه الانقسامات وتتعاظم فيه لغة الكراهية.
لم تكن المبادرة احتفالية رمزية، بل رؤية واضحة المعالم. فقد قال جلالته في كلمته إن هذا الأسبوع هو «تكريس للأسبوع الأول من شهر شباط من كل عام، تقوم خلاله دور العبادة المختلفة بالتعبير عن تعاليم دياناتها حول التسامح واحترام الآخر والسلام». ومنذ انطلاقها، شكّلت المبادرة محاولة جادة لبناء جسور التواصل في المجتمعات المتعددة والمختلطة، ولا سيما تلك التي تعيش تحديات الهجرة واللجوء، عبر إيجاد أرضية مشتركة قوامها القيم الإنسانية النبيلة: التسامح، والاحترام المتبادل، والتعاون.
اليوم، وفي ظل عالم يواجه نزاعات متجددة واستقطابًا حادًا، تزداد أهمية هذا الأسبوع، ليس بوصفه مناسبة سنوية، بل كفرصة حقيقية لنشر ثقافة الوئام وترسيخها في الوعي العام، خصوصًا لدى الأجيال الصاعدة. فالرسالة الأهم التي تحملها المبادرة هي دعوة الشباب إلى فهم التنوع الديني والثقافي بوصفه جزءًا أصيلًا من النسيج الإنساني، لا سببًا للصراع أو الإقصاء. وعندما يتربّى الشباب على هذه القناعة، يصبحون أكثر قدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء مجتمعات متماسكة تقوم على الحوار والمشاركة الفاعلة.
لقد نجح الأردن، عبر مراحل دقيقة من الانقسام والفتنة والعنف والطائفية في العالم، في تقديم نموذج قيادي للتقريب بين أتباع الديانات. فمنذ أحداث الحادي عشر من أيلول وما تبعها من فوضى فكرية وتأويلات متطرفة للنصوص الدينية، استطاع الأردن أن يحوّل التحدي إلى فرصة، مقدّمًا خطابًا قائمًا على الحكمة والانفتاح والبصيرة العميقة في الشأن العالمي، وزارعًا لقيم المحبة بدل الخوف.
ويستند هذا النجاح إلى واقع أردني فريد، يقوم على شراكة طبيعية بين المسلمين والمسيحيين، وعلى حياة يومية مشتركة تثبت أن السلام في التنوع ممكن، وأن التسامح ليس شعارًا، بل سلوكًا وأخلاقًا دينية راسخة. ومن هذا الواقع، قاد الأردن تحالفًا دوليًا من الأصوات المستعدة للدفاع عن الحكمة، وقبول الآخر، وإدارة الحوار الذكي، ونشره في زمن تتغوّل فيه خطابات الكراهية.
لم تأتِ مبادرة أسبوع الوئام من فراغ، بل ارتكزت على مسارين تأسيسيين مهّدا لنجاحها وانتشارها: رسالة عمّان عام 2004، التي أسهمت في تعزيز الحوار داخل الإسلام والحد من الخوف منه عالميًا، ثم مبادرة «كلمة سواء بيننا وبينكم» عام 2007، التي انطلقت من القيم المشتركة في المسيحية والإسلام، وتحديدًا «محبة الله ومحبة الجار».
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا، يحظى الأردن باعتراف عالمي واضح بجهوده في السعي نحو السلام. فقد بات اسمه مقترنًا دوليًا بثقافة السلام، وحاز جلالة الملك تقديرًا عالميًا عبر جوائز سلام مرموقة. غير أن هذا الاعتراف، على أهميته، لا يعفينا من مسؤولية الاستمرارية.
وهنا تبرز الأسئلة الصعبة: هل ما زلنا نتعامل مع أسبوع الوئام باعتباره مشروعًا حيًا، أم اختزلناه في مناسبات بروتوكولية وندوات نخبوية مغلقة؟ من واقع خبرتي كإعلامية وكاتبة متخصصة في حوار الأديان لأكثر من خمسة عشر عامًا، ألاحظ بقلق أن كثيرًا من الفعاليات باتت تكرر نفسها، وأن الخطاب الإعلامي فقد جزءًا من حيويته وابتكاره، في وقت عاد فيه التطرف الديني والتعصب إلى التنامي، مدفوعين بتغوّل الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
التوعية ضرورية، لكنها غير كافية. مواجهة الفكر المتطرف تتطلب فكرًا مضادًا حيًا، يستخدم الأدوات ذاتها بذكاء ومسؤولية: حضور فعلي وجاد في الفضاء الرقمي، محتوى معرفي متكرر وممنهج، نقاشات مفتوحة داخل المجتمعات، وبرامج تعليمية تفاعلية في المدارس والجامعات، لا كمناهج جامدة، بل كنشاطات مستمرة تُتوَّج في هذا الأسبوع ولا تُختزل به.
السلام، في جوهره، ليس شعارًا ولا ضعفًا. السلام قرار فردي يبدأ مع الذات، ثم مع المحيط، ثم مع المجتمع. الرحمة، والمحبة، والعدل ليست صفات واهنة، بل سمات الأقوياء، لأن الوقوف في وجه الفتنة والشرذمة يحتاج إلى شجاعة وثبات. السلام هو أن تصنع الحق، وترحم من حولك، وتتّضع أمام الله.
الأردن، وإن بدا صغيرًا في الجغرافيا، إلا أنه كبير بأهله: ناس أقوياء، مضيافون، محبّون، فتحوا أبوابهم عبر التاريخ لكل من هرب من الطغيان. والدفاع عن حقوق الإنسان، وصون الوئام المجتمعي، وبناء السلام، ليست مهام سهلة، لكنها ممكنة حين تتوافر الإرادة الصادقة والعمل الجاد.
مسؤوليتنا اليوم، شعبًا ومؤسسات، أن نحافظ على هذا الوئام الذي ننعم به، وأن نطوّر أدواتنا التعليمية والإعلامية، ونُدرّب الأجيال على الحوار واحترام الآخر، ونغرس فيهم قيم المواطنة التي ترفض العنف وتصنع السلام. أمامنا مهام كثيرة، لكن الأهم أن نُدرك قيمة ما نملك، ونحميه، ونفخر به.
وفي الختام، ليتنا نغلب السِّلم على الشر، والعدل على الفساد، لنصنع حياة أكثر جمالًا وحرية، لنا ولمن يأتي بعدنا.
حمى الله الوطن
