د. ليليان قربان عقل
في ظلّ الرهان الدائم على الدور المفترض أن يلعبه الإعلام في تشكيل الرأي العام اللبناني إزاء القضايا الأساسية التي نتخبّط بها، تتّسع الفجوة بين هذا الدور المنتظر وبين المسارات التي يسلكها الإعلام خدمة لأجندات خاصّة غالباً ما يتحكّم بها صنّاع القرار الذين يعتمدون على التضليل الإعلامي لإثارة ردود فعل محسوبة تخدم مصالحهم الضيّقة، على حساب المصلحة العامة، بحيث يُقدَّم «الرأي الخاص» على حساب «الرأي العام».
فرض الفهم المشوَّش عمداً للديمقراطية، إلى جانب الممارسة المغلوطة لبعض وجوهها في المجتمع اللبناني، انقساماتٍ عميقة وسمت الحياة الاجتماعية والسياسية، وفق مصلحة كلّ جماعة وتوجّهاتها الظرفية، المحكومة بتطوّرات الأحداث، وتبدّل الولاءات، وتشكّل التحالفات بنمطيها: الظاهر المعلن والمكتوم المضمَر. وانعكس ذلك انقسامات حزبية وطائفية، واجتهد الإعلام، بتقنياته التضليلية، للإمساك بمفاصل الرأي العام، لتغييبه عن أداء دوره بحرّية كاملة، وإقصائه عن المشاركة في القضايا الوطنية الدقيقة والمحورية، واستبداله بآراء خاصة. وهو أمرٌ يطرح تساؤلاتٍ جوهرية حول فعالية الموقف النقدي في مجتمع يفترض به أن يقوم على تعددية فكرية بنّاءة، وحول الدور الحقيقي للإعلام في إظهار صوت الناس وتظهير ضميرهم الخام.
لجوءُ الإعلام اللبناني، أحياناً، إلى تضليل الرأي العام بهدف إثارة ردود فعل محدّدة تخدم القوى السياسية الممسكة بمفاتيح القرار، يؤدّي إلى إضعاف قوة الرأي العام وتعزيز سطوة «الآراء الخاصة» التي تُمسك بـ«الآراء العامة» وتديرها وفق روزنامة متحرّكة تستجيب لمصالحها وتتكيّف مع توجّهاتها الزئبقية، ولا سيّما في القضايا السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، يُستعمل الإعلام، وخصوصاً الإلكتروني منه، بما وفّرته التّكنولوجيا الحديثة من تسهيلات في خدمة نشر المعلومات من حيث السّرعة والسعة، للتأثير على فكر المتلقّي وتغيير مواقفه وقناعاته وتشكيل رأي عام في خدمة أهداف صانعي التّضليل وفق الاجندات الموضوعة مسبقاً لتحويل اتجاه الرأي العام من الحقائق «الحقيقية» الى الحقائق «المصنّعة».
يكتسب التضليل الإعلامي أهميةً خاصة في زمن الحروب، حيث يُستعمل الإعلام كسلاحٍ فتاك لتكوين رأي عام موجَّه، والتأثير في العقول، وفي العواطف والمخيّلة الجماعية. وقد شاع في الآونة الأخيرة استخدام مصطلح «التضليل الإعلامي»، ولا سيّما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما أتاحته الثورة المعلوماتية، بوصفه «فنّ التستّر وراء القناع». علمًا أنّ وسائل التضليل كانت معتمدة منذ القدم في الحروب والنزاعات، وبأساليب فنية متعدّدة، بهدف إخضاع العدو وتحطيم معنوياته. ولعلّ أقدم تعريف للتضليل الإعلامي نجده في كتابات سون تزو (Sun Tzu)، الذي اعتبر أنّ «تسميم النفوس» تقنية، أمّا «التضليل الإعلامي» فهو مذهب. وفي كتابه «فنّ الحرب» (The Art of War) الذي كتبه في القرن السادس قبل الميلاد، أشار إلى أنّ أسمى فنون الحروب هو «إخضاع العدو من دون مجابهته».
لن يستقيم الوضع السياسي والاجتماعي في لبنان من دون إعادة بناء قواعد ركيزية للرأي الصحيح، ثم استثماره في تنمية مفهوم الرأي الجماعي، أو رأي الأغلبية، بما يمكّن القيادي المسؤول والإعلام معاً من الارتكاز إلى أسس ثابتة لإقامة علاقة ثقة متبادلة بين المسؤولين والقاعدة الشعبية الواسعة، في إطار دورها التشاوري. وهذا شرط أساس لنهضة الديمقراطية اللبنانية وتطوّرها.
التضليل الإعلامي وادارة الرأي العام
د.ليليان قربان عقل
في ظلّ الرهان الدائم على الدور المفترض أن يلعبه الإعلام في تشكيل الرأي العام اللبناني إزاء القضايا الأساسية التي نتخبّط بها، تتّسع الفجوة بين هذا الدور المنتظر وبين المسارات التي يسلكها الإعلام خدمة لأجندات خاصّة غالباً ما يتحكّم بها صنّاع القرار الذين يعتمدون على التضليل الإعلامي لإثارة ردود فعل محسوبة تخدم مصالحهم الضيّقة، على حساب المصلحة العامة، بحيث يُقدَّم «الرأي الخاص» على حساب «الرأي العام».
فرض الفهم المشوَّش عمداً للديمقراطية، إلى جانب الممارسة المغلوطة لبعض وجوهها في المجتمع اللبناني، انقساماتٍ عميقة وسمت الحياة الاجتماعية والسياسية، وفق مصلحة كلّ جماعة وتوجّهاتها الظرفية، المحكومة بتطوّرات الأحداث، وتبدّل الولاءات، وتشكّل التحالفات بنمطيها: الظاهر المعلن والمكتوم المضمَر. وانعكس ذلك انقسامات حزبية وطائفية، واجتهد الإعلام، بتقنياته التضليلية، للإمساك بمفاصل الرأي العام، لتغييبه عن أداء دوره بحرّية كاملة، وإقصائه عن المشاركة في القضايا الوطنية الدقيقة والمحورية، واستبداله بآراء خاصة. وهو أمرٌ يطرح تساؤلاتٍ جوهرية حول فعالية الموقف النقدي في مجتمع يفترض به أن يقوم على تعددية فكرية بنّاءة، وحول الدور الحقيقي للإعلام في إظهار صوت الناس وتظهير ضميرهم الخام.
لجوءُ الإعلام اللبناني، أحياناً، إلى تضليل الرأي العام بهدف إثارة ردود فعل محدّدة تخدم القوى السياسية الممسكة بمفاتيح القرار، يؤدّي إلى إضعاف قوة الرأي العام وتعزيز سطوة «الآراء الخاصة» التي تُمسك بـ«الآراء العامة» وتديرها وفق روزنامة متحرّكة تستجيب لمصالحها وتتكيّف مع توجّهاتها الزئبقية، ولا سيّما في القضايا السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، يُستعمل الإعلام، وخصوصاً الإلكتروني منه، بما وفّرته التّكنولوجيا الحديثة من تسهيلات في خدمة نشر المعلومات من حيث السّرعة والسعة، للتأثير على فكر المتلقّي وتغيير مواقفه وقناعاته وتشكيل رأي عام في خدمة أهداف صانعي التّضليل وفق الاجندات الموضوعة مسبقاً لتحويل اتجاه الرأي العام من الحقائق «الحقيقية» الى الحقائق «المصنّعة».
يكتسب التضليل الإعلامي أهميةً خاصة في زمن الحروب، حيث يُستعمل الإعلام كسلاحٍ فتاك لتكوين رأي عام موجَّه، والتأثير في العقول، وفي العواطف والمخيّلة الجماعية. وقد شاع في الآونة الأخيرة استخدام مصطلح «التضليل الإعلامي»، ولا سيّما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما أتاحته الثورة المعلوماتية، بوصفه «فنّ التستّر وراء القناع». علمًا أنّ وسائل التضليل كانت معتمدة منذ القدم في الحروب والنزاعات، وبأساليب فنية متعدّدة، بهدف إخضاع العدو وتحطيم معنوياته. ولعلّ أقدم تعريف للتضليل الإعلامي نجده في كتابات سون تزو (Sun Tzu)، الذي اعتبر أنّ «تسميم النفوس» تقنية، أمّا «التضليل الإعلامي» فهو مذهب. وفي كتابه «فنّ الحرب» (The Art of War) الذي كتبه في القرن السادس قبل الميلاد، أشار إلى أنّ أسمى فنون الحروب هو «إخضاع العدو من دون مجابهته».
لن يستقيم الوضع السياسي والاجتماعي في لبنان من دون إعادة بناء قواعد ركيزية للرأي الصحيح، ثم استثماره في تنمية مفهوم الرأي الجماعي، أو رأي الأغلبية، بما يمكّن القيادي المسؤول والإعلام معاً من الارتكاز إلى أسس ثابتة لإقامة علاقة ثقة متبادلة بين المسؤولين والقاعدة الشعبية الواسعة، في إطار دورها التشاوري. وهذا شرط أساس لنهضة الديمقراطية اللبنانية وتطوّرها.
