مما افتقده من عاداتنا الجميلة تلك الحملة المنزلية الرباعية التي تتكلل سنويا في الأيام الأخيرة من كل عام. زمان -أيام زمان- كانت الأحوال الجوية أكثر استقرارا دون إدراكنا كأطفال الفارق بين الجو والطقس والمناخ. هي فصول أربعة واضحة المعالم، لكل فصل منها مأكولاته الموسمية وكذلك ملبوساته وحاجياته.
لمن حظي بنهل الآداب والمعارف من الوالدين والجدين والجدتين، لا بد أنه سمع تلك الحكمة والوصية المتوارثة عبر الأجيال وهي «أجره ولا هجره»، حيث كان الكبار يحثون أفراد الأسرة على المشاركة بتلك الحملات الرباعية التي تصل بالتصفيات إلى نهاية العام عبر ما ثبت عدم استخدامه من ملابس أو حاجيات لفصل أو سنة كاملة، مما وجب التصدّق به أو التهادي به بين الأقارب والجيران والأصدقاء والزملاء عملا بالوصية النبوية: «تهادوا تحابّوا». لم تكن الناس تتحسس أو تتحرج من ذلك، تماما كما كان الأخ الأصغر يرتدي ويستخدم ما تركه له الأخ الأكبر. لم تكن بعد تلك النزعة الفردية أو (النرجسية أو الأنانية) شائعة أو مقبولة اجتماعيا.
لطالما خضعت تلك الهدايا أو العطايا من تبرعات وصدقات إلى مراجعة صارمة من الكبار بألا يجوز العطاء إلا من محبة وبسخاء. وقد أكرمني الله وأسرتي وبعض أقاربي وعشيرتي بجيرة العمر في جبل الحسين الغالي اسما ومكانا، عندما كانت الأسر الأردنية الساكنة على ما مساحته ثلث كيلو متر مربّع، فيها ما تمثله مملكتنا الحبيبة من ثراء في العشائر والتعددية العرقية والدينية إلى درجة لا تعرف فيها من الأطباق الرمضانية وعيد القديسة بربارة وأشجار عيد الميلاد المجيد، لا تعرف أين يقيم الناس الصلاة ويرفعون أكف الدعاء، في أي مسجد أو كنيسة. لك أن تتخيل العيش الهنيّ الرضيّ البهيّ قبل أن ينظّر البعض في معاني العيش والتعايش والمعايدات والتعازي وإلى آخر ما يقرع بعض الرؤوس الخاوية في أعيادنا المجيدة ومواسم صيامنا المباركة.
لم تكن هدايانا وصدقاتنا وعُشورنا وزكاتنا مصنفة ولا مبوبة، لكنها كانت مبرمجة حسب تواقيت معلومة كلها مرتبطة بمواسم المحبة والخير والعطاء. هناك تعلمنا في جبل الحسين في عمّان التي في القلب، تعلمنا على اختلاف مدارسنا الخاصة (الأهلية) والعامة (الحكومية)، معنى «الجار القريب أقرب من الأخ البعيد» وكان بيننا من تنحدر أصوله من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب غربا وشرقا، فضلا عن الأردنيين الشراكسة والكورد والدروز والأرمن. هناك في ذرى الحسين الأشم لطالما احتفلنا مع -الراحل طيب الذكر علي عبندة رحمة الله عليه، ونجوم الأرصاد الجوية ونشامى الدفاع المدني والأمن العام- احتفلنا بتساقط الثلوج وهطول الأمطار، شاكرين حامدين مستبشرين بالمزيد، وهناك في جبل الحسين الغالي عرفت من جار صوفي الحديث المستبشر بالمطر كونه «حديثَ عهدٍ بربِّه» وكيف كان الرسول الكريم يحسر ثوبه استقبالا للغيث، فما بالنا ننسى تلك الصورة الرحمانية بعد طول انحباس للأمطار وشحها دون التقليل من فداحة الخسائر المترتبة على السيول الأخيرة. تبقى النعم أولى بالشكر من استسهال الملامة والتذمر.
قد تكون الحياة بنزعاتها المادية وتحت وطأة ضغوط متطلبات العصر أنستنا كأفراد وأسر ومجتمعات عادة «تعزيل» البيت مرة على الأقل سنويا، والتخلص مما نسميه بالعامية «كراكيب» والتي كنا نحسن إعادة تدوير الكثير منها، لكن من الخطر والمؤسف تناسي تلك الوصية العظيمة: أجرُه ولا هجرُه.. دعوة من على هذا المنبر الكريم -الدستور الغراء- في أول أيام سنة جديدة نسأل الله فيها أجرا لا هجرا..
«أجرُه ولا هجرُه»* بشار جرار
3
المقالة السابقة
