عروبة الإخباري –
في العام الذي يوشك على الانتهاء، لم تكن كتابات كلاديس متى مجرّد مقالات تُحصى، بل مواقف تُسجَّل.
عامٌ كامل كتبت فيه وكأن الوقت لا يملك ترف الانتظار، وكأن لبنان يقف كل يوم على حافةٍ جديدة، يحتاج فيها إلى من يقول الحقيقة بلا مواربة، ويقف بالكلمة حيث يتراجع كثيرون بالفعل.
جُلّ ما كتبته كلاديس متى خلال هذا العام لم يكن ترفًا فكريًا، ولا تمرينًا لغويًا، بل اشتباكًا واعيًا مع الواقع اللبناني؛ مع أزماته، وانتهاكاته، وخياراته المصيرية. كتبت وهي تدرك أن الصمت لم يعد حيادًا، وأن الكلمة إن لم تُستخدم للدفاع عن الوطن، تتحوّل إلى تواطؤ غير معلن.
من مقال إلى آخر، راكمت خطابًا واضح المعالم:
لبنان أولًا، السيادة أولًا، والناس قبل الحسابات. لم تكتب لتُرضي، بل لتُنبّه. لم تُجمّل الانهيار، بل سمّته باسمه. ولم تساير الانحراف، بل واجهته بلغة تعرف أن التاريخ يقرأ… ولا ينسى.
هذا العام، كانت كتاباتها أشبه بسجلّ وطني: توثّق الوجع بلا استسلام، وتواجه الخطر بلا تهويل، وتحفظ للبنان حقه في أن يُدافع عنه بالكلمة الصادقة.
ليست مبالغة القول إن جُلّ ما كتبته كلاديس متى في هذا العام كان محاولة مستمرة لإبقاء لبنان حاضرًا في الضمير العام، في زمنٍ كاد يُختصر فيه الوطن إلى أرقام وأخبار عاجلة.
إنها مقدّمة لعامٍ كُتب بعصب الوطن… لا بحبر العادة.
ففي زمنٍ صار فيه الوطن خبرًا عابرًا، وصارت السيادة وجهة نظر، اختارت أن تكتب وكأن لبنان أمانة في عنقها. لم تبحث يومًا عن المنطقة الرمادية، لأن الأوطان لا تُحمى بالرمادي. كتبت بوضوح من يعرف أن التاريخ لا يرحم، وأن الكلمة إمّا أن تكون شاهد حق… أو شريك صمت.
هي إعلامية، نعم، لكن قبل ذلك لبنانية حتى العظم.
تكتب لأجل لبنان أرضًا لا تُختصر بخريطة، بل بتاريخٍ من الدم والكرامة. أرضًا تعرف أن التراب ليس ترابًا حين يُداس، بل هوية تُستباح. في مقالاتها، الأرض ليست تفصيلًا جغرافيًا، بل خطًا أحمر، وسيادة لا تقبل التجزئة ولا التفاوض.
وتكتب لأجل لبنان بحرًا، ذاك البحر الذي حاولوا سرقته كما سرقوا الأحلام. بحرًا تعرف أنه ليس أفقًا سياحيًا، بل ثروة وطن، وحدود كرامة، وحق أجيال لم تولد بعد. حين تكتب عنه، تشعر أن الموج نفسه يستعيد صوته.
وتكتب لأجل لبنان سماءً، لأن السماء حين تُستباح لا تبقى سماء. تكتب ضد الاعتياد على الخرق، وضد التطبيع مع الانتهاك، وضد تحويل الخطر إلى خبر روتيني. في نصوصها، السماء سيادة، والسيادة ليست وجهة نظر.
أما الشعب… فهو نبض كتابتها، ووجعها، وغضبها المقدّس.
شعب تعرف أنه لم يُهزم، بل أُنهك. لم ينكسر، بل تُرك وحيدًا. تكتب له لا بلغة الشفقة، بل بلغة الاحترام. لا تُجمّله كذبًا، ولا تُدينه ظلمًا، بل تضع الحقيقة أمامه كما هي: موجعة، لكنها صادقة.
ما يميّز كلاديس متى أنها لا تكتب من برج عاجي، ولا من قاموس شعارات. تكتب من وعيٍ سياسي صلب، ومن إحساس وطني حاد، ومن إدراك أن الإعلام إمّا أن يكون خط دفاع عن الدولة… أو أداة في هدمها.
في زمن الإعلام المُدجَّن، هي قلم عصيّ.
في زمن الحسابات الضيّقة، هي موقف واسع بحجم وطن.
وفي زمن الخوف، هي جرأة تعرف ثمنها وتدفعه بلا تردّد.
مقالاتها لا تطلب الإذن، ولا تبحث عن رضا أحد. تدخل إلى صلب الأزمة، وتسمّي الأشياء بأسمائها، وتترك للقارئ خيارًا واحدًا: إمّا أن يختلف معها بوعي، أو أن يغضب منها لأنه رأى الحقيقة عارية.
كلاديس متى تكتب لأن لبنان يستحق من يدافع عنه بالكلمة كما يُدافع عنه بالدم.
تكتب لأن الصمت في لحظات الانهيار خيانة.
وتكتب لأن الإعلام، حين يفقد شرفه، يفقد مبرّر وجوده.
هي ليست مجرد اسم في زاوية رأي، بل صوت سيادي، ذاكرة وطنية، وموقف لا ينحني.
وحين يُكتب يومًا تاريخ هذه المرحلة، لن تُقاس الأقلام بعدد المتابعين، بل بعدد الذين كتبوا عندما كان الصمت أسهل.
وكلاديس متى…كانت هناك. تكتب.
وتواجه.
وتختار لبنان.
