ما غابت عيون الأردن أبدا وما كلّت جفونها من رصد العدو. على امتداد مئوية ونيف، أدى الجيش-الشعب والشعب-الجيش مهامه على أكمل وجه، ذودا عن هذا الحمى الأردني الهاشمي في حروب معلنة في وضح النهار، وأخرى غادرة تحت جنح الظلمات لا تقل خطورة، تمارسها عصابات أشرار تتلون كما الحرابيّ ولا تضمر سوى ما في أنياب الأفاعي، تارة إرهابا وتارة أخرى عدوانا على إنسانية الإنسام كما في حروب إرهاب المخدرات. تعتدي في حين متسللة من خارج الحدود، وفي أحيان أخرى تنسل وتندس واهمة أن عين الله ومن بعده جنده المخلصون عنهم ساهية.
«عين الصقر» العملية التي أعلنتها وزارة الحرب «البنتاغون» والقيادة الوسطى الأمريكية ما زالت في بداياتها وفقا لتقديرات القائمين عليها والتي قد تمتد إلى بضعة أسابيع. الهدف الذي لم يتغير منذ إقامة التحالف الدولي لمحاربة عصابة داعش الإرهابية سنة 2014 هو دحر الإرهاب وتخليص المنطقة والعالم من شروره وأشراره.
منذ البداية، أعلن سيدنا قائدنا الأعلى للقوات المسلحة جلالة الملك عبدالله الثاني نصره الله، أن هذه «الحرب حربنا» ونبّه العالم كله إلى أن ذلك الجهد كل متكامل لن يكتمل ولن يحقق أهدافه ما لم يكن «العزم الصّلب» -الاسم العملياتي للتحالف- وافيا شاملا لجميع الجوانب التي تتطلبها معركة محاربة الإرهاب ومكافحة أربابه وأوكاره وأدواته.
لذلك كانت مشاركة نسورنا البواسل في عملية «عين الصقر» عملية ممتدة حتى لما قبل أن يعرف العالم ذلك الشر وتلك العصابة الإجرامية، فلطالما خاض الأردن حربا بلا هوادة ولا انقطاع ضد الإرهاب بجميع أشكاله وأدواته، وما زلنا كأردنيين نشهد عبر ما قدمنا من شهداء -ونحن نحيي في هذه الأيام ذكرى استشهاد البطل الطيار معاذ الكساسبة، نشهد بأن «ملة الإرهاب واحدة». وجب ضربها بحزم وحسم استباقيا وقائيا كلما لاحت الفرصة، وأي فرصة عندما تكون داعش وأخواتها من تنظيمات إرهابية ونظم مارقة تحاول إعادة تجميع ما تبقى من فلولها وشراذم تجمعات إرهابية أخرى، كانت ضمن معادلات الاحتراب والتوازنات على مدى أربعة عشر عاما مما أصاب سورية المكلومة، ومن قبلها العراق الحبيب سرا وجهرا من نظام ثيوقراطي ديكتاتوري لم يجلب سوى الدمار والعار منذ وصول خميني على متن طائرة فرنسية من باريس إلى طهران، تلك الغلطة-الخطيئة التي ما زال العالم كله يتجرع مراراتها.
جنوب سوريانا الحبيبة يعنينا في الصميم، كما يعني دولا شقيقة أخرى، سيما العراق ولبنان. الحرب اليوم عنوانها عصابة داعش الإرهابية، لكن تنظيف وتطهير سوريا الجديدة من مخلفات الحرب والإرهاب والقمع والفساد صار أولوية ملحة بعد رفع عقوبات قيصر، حتى لا يتمكن المتضررون من سقوط نظام بشار وحكم «الأسد الأب والابن» من محاولة «ملء الفراغ»، خاصة في الجنوب الذي يأمل الرئيس دونالد ترمب أن يكون مجالا للتعاون الاقتصادي الإقليمي بحيث يشكل رافعة إلى جانب غزة الجديدة في إحلال السلام والاستقرار والتنمية محل ما كان ساحة إرهاب وخراب.
ضربات نسورنا ضمن عمليات «عين الصقر» أثبتت أنها كانت وما زالت بالمرصاد لكل طامع في أمننا القومي الذي قطعا لا يقف عند حدود مملكتنا الغالية، سيما حدودنا الشمالية التي يعلم الجميع أن الضباع والكواسر تحاول تأمين مراتع فيها وأوكار. وهيهات فعْقابُنا ذهبيّ، عرشه الصدور قبل الهامات..
