عروبة الإخباري –
في زمنٍ تتكسّر فيه المعاني على صخور التكرار، وتضيع الحقيقة بين ضجيجٍ يتكاثر ولا يقول، ينهض بعض الحضور كقدرٍ جميل، لا يطلب الانتباه بل يفرضه. حضورٌ حين يدخل المشهد يُعيد للكلمة هيبتها، وللصمت فصاحته، وللضوء معناه الأول. هناك، عند الحدّ الفاصل بين الفكر والحدس، بين الرصانة والدهشة، تتشكّل الحكاية عن سيدةٍ لم تكن يومًا اسمًا عابرًا، بل كينونة تعرف كيف تُنقذ المعنى من الابتذال… الدكتورة علا القنطار.
هي ليست جمالًا يُرى فقط، بل جمالٌ يُحَسّ. جمالٌ يسبق الملامح إلى الجوهر، ويتقدّم الأناقة إلى الحكمة. في حضورها سحرٌ هادئ لا يستعرض نفسه، بل يتسلّل كالنور حين يلامس الأشياء فيمنحها بريقها الخاص. أنوثتها ليست زينة للمشهد، بل انسجامٌ نادر بين الرقيّ والعمق، بين نعومة الإحساس وصلابة الموقف. تدخل المكان فيهدأ، لا لأن الصوت يخشى، بل لأن الوقار يسبقها.
وفي زمنٍ أُنهكت فيه الأوطان واهتزّت الثقة بالمؤسسات، جاءت كتاباتها أشبه بوقفة ضمير. لم تكتب لتُرضي، بل لتُصلح. لم ترفع الصوت، بل رفعت المعايير. فتحت ملفات مسكوتًا عنها، ووضعت الإصبع على الجرح دون تشهير، وعلى الخلل دون مساومة. حديثها عن نزاهة التعليم الجامعي لم يكن خطابًا نظريًا، بل دفاعًا صريحًا عن قدسية المعرفة، وعن حق الطالب بأن يُقاس بعلمه لا بعلاقاته، وبجهده لا بوساطته.
الكلمة حين تخرج من ضمير
لم يكن حضور علا القنطار في العام المنصرم ترفًا إعلاميًا ولا زينة مناسبات. كان موقفًا. في مقالاتها، خرجت الكلمة من دائرة المجاملة إلى فضاء المساءلة، ومن التوصيف إلى التشريح. فتحت ملفات حسّاسة، وعلى رأسها نزاهة التعليم الجامعي، كاشفةً هشاشة منظوماتٍ لطالما احتمت بالصمت أو بالهيبة الشكلية. لم تهادن، ولم تُسوّق، ولم تختبئ خلف العناوين الرمادية. قالت ما يجب أن يُقال، كما يجب أن يُقال، وباسم من لا صوت لهم.
الإعلام كسلطة لا كديكور
في عامٍ يُهان فيه الإعلام ويُدفع إلى الزوايا، أعادت القنطار تعريفه بوصفه سلطة رقابية لا تُقصى ولا تُشترى. تضامنها العلني مع الجسم الصحافي، ووقوفها الصريح إلى جانب حرية الكلمة، لم يكونا ردّ فعلٍ آنيًا، بل امتدادًا طبيعيًا لقناعة راسخة: أن الإعلام إن لم يفضح التجاوزات، يفقد شرعيته. هكذا تحوّل حضورها إلى تذكير دائم بأن الصحافة موقف أخلاقي قبل أن تكون مهنة.
الثقافة… حين تستعيد أناقتها
في المشهد الثقافي، لم تكن علا القنطار مجرّد راعية حدث أو نجمة منصة. كانت روح المكان. من عاليه إلى المنابر الفكرية، حملت الثقافة من خانة النخبوية الباردة إلى فضاء الجمال الحيّ، حيث تلتقي الأناقة بالمعرفة، والبهجة بالعمق. حضورها الثقافي خلال العام المنصرم أعاد للعلم هيبته، وللأنوثة معناها الذكي، وللإعلام بعده الإنساني.
الإنسان أولًا
بين كل عنوانٍ وآخر، ظلّ الإنسان هو البوصلة. في الكتابة عن شخصيات رحلت، أو في تسليط الضوء على مبادرات إنسانية كقصة المرشدة رشا الحلبي، ظهر بوضوح أن القنطار لا تكتب عن القضايا، بل من داخلها. عامٌ مضى أكّد أن الحسّ الإنساني ليس هامشًا في مشروعها، بل قلبه النابض.
جردة الحساب… ماذا بقي؟
رصيد المصداقية: مرتفع، غير قابل للتسييل أو المقايضة.
رصيد الجرأة: متزايد، محسوب، ومسؤول.
رصيد الحضور: نوعيّ، لا استعراضي.
رصيد الأثر: ممتد، يتجاوز اللحظة إلى الذاكرة.
لم يكن عامًا سهلًا، لكنه كان عامًا صادقًا. لم تُراكم فيه الدكتورة علا القنطار ضجيجًا، بل راكمت معنى. لم تبحث عن الإجماع، بل عن الحقيقة. ولم تكتب لتُرضي، بل لتُضيء.
هكذا تُقاس الأعوام حين تكون الكلمة موقفًا، وحين يتحوّل الإعلام إلى فعل أخلاقي، وحين يصبح الحضور مسؤولية لا زينة. عامٌ مضى، ترك أثره، لا لأنه انتهى، بل لأنه أسّس لما بعده.
وما بعد هذا العام… ليس تكرارًا، بل امتدادٌ لمسارٍ يعرف جيدًا إلى أين يتجه.

