عروبة الإخباري –
في لبنان، هذا الوطن الذي خطّت تضاريسه أقدام الأنبياء وصوتُ الحقّ عبر القرون، يشكّل استقبال الحبر الأعظم ليس حدثًا عابرًا في الزمن، بل صفحةً جديدة تُضاف إلى تاريخٍ تليدٍ صاغته الإيمان والتضحيات.
فمنذ أن ارتفع صوت البشارة على جباله وسهوله، ظلّ لبنان أرضًا يلتقي عليها الشرق والغرب، وتتعانق فيها حضاراتٌ لا تُحصى، ويُحفظ فيها إرثٌ روحيّ يجعل من كل زيارة رسولية علامةَ رجاءٍ تتردّد أصداؤها في الكنيسة الجامعة وفي ضمير شعبٍ أنهكته الأيام ولم تُنهِ عزيمته.
واليوم، إذ تتشرّف بلادُنا بطلّة قداستكم، نشعر بأن شريانًا من النور يُبعث من جديد في قلب هذا الوطن المتعب، وكأنَّ حضوركم يحمل إلى اللبنانيين كلهم—على اختلاف أطيافهم—تأكيدًا بأن صوتهم لا يزال مسموعًا في أروقة الكنيسة الأم، وأن معاناتهم ليست منسية أمام عرش الرحمة الإلهية
حضرة الحبر الأعظم المبارك، تستقبل بلادُنا زيارتكم بكل امتنانٍ ومحبة، فحضوركم بيننا يوقظ الرجاء في القلوب المنهكة، ويبعث نور السلام في زمنٍ نحتاج فيه إلى لمسة طمأنينة ونسمة أمل أكثر من أي وقت مضى. إن أرضنا التي تتأرجح بين مجد تاريخها وثقل أوجاع حاضرها، وشعبها الواقف على حافة اليأس والرجاء، يتطلّع اليوم إلى أن يُسمَع صوته، وأن تُرفع صرخته إلى مقامكم، عسى أن يحملها حضوركم وصلواتكم ورسالتكم الداعية إلى السلام
وكابنة للكنيسة، ومن جنوب لبنان الذي باركته خطوات المسيح وحنان أمّه العذراء—من سيدة المنيطرة إلى قانا التي شهدت العجيبة الأولى، مرورًا بالقليلة ولا تنتهي عند سيدة جزين—أحمل إليكم رجاء رعية لا يزال أهلها يزرعون سفوحه صلبانًا شاهدة لإيمانهم بربّنا يسوع المسيح كضيعتي المعمرية ،هذا الجنوب الذي يحتضن صيدا وصور، مهدي الحضارات وأول الشعوب، والذي ذاق أبناؤه على مدى نصف قرن ألمًا يوازي عظمة تاريخه
ومن هذا الواقع، لفح قلوبنا حزنٌ لطيف لأننا لم نحظَ بنعمة زيارتكم مباشرة ، ونحن نُدرك أعذاركم ونتفهّم ظروفكم ومع ذلك فنحن ممثلون بزيارتكم للبناننا الحبيب . لكننا نضرع إلى قداستكم أن تحملوا الجنوب وأهله بكل أطيافه في صلواتكم، سائلين لهم الرأفة والمعونة من الآب السماوي.
ونودّ إطلاعكم على أن جنوبنا، رغم أوجاعه، مليء برجال ونساء فكرٍ وإيمانٍ ومبادرة، بصانعي أملٍ وسلام يستحقون أن يُسمع صوتهم وتُعرض رؤاهم—ولو عبر مبادرات فردية أو متواضعة. إن قلوبهم تنبض بحب وطنهم، وتطلّعاتهم تعبّر عن وجع اللبنانيين وآمالهم معًا، وما نرجوه منكم هو الإصغاء إلى هذا الصوت الذي نؤمن بأنه يستحق أن يصل إليكم.
ختامًا، نتقدّم إليكم بأصدق مشاعر الاحترام، وبأطيب التمنيات، داعين الله أن تكون زيارتكم لنا ينبوع بركة وسلام، لشعبٍ يستحق أن يستعيد كرامته وحياته.
مع خالص التقدير والمحبة.
