على مقاعد أم الجامعات الأردنية تشرفت بزمالات منها ما صار صداقات عمر. من بينهم أخ صار صديق عائلة. حرصا على خصوصيته، سأكتفي بالإشارة إليه بالمستثمر الأردني في فيتنام!
أبناء أخي -صديقي- هم من الأردنيين الفيتناميين، فقد اختار شريكة حياة له من ذلك البلد الأسطوري في كفاحه من أجل نيل شرف الحرية ونعمة الأمن وبركات العيش بكرامة، بعد حروب سياسية عقائدية ضارية بين أبناء الشعب الفيتنامي الواحد والتي سرعان ما تحولت بفعل الحرب الباردة إلى مواجهة روسية-أمريكية بالوكالة في إحدى أسوء حروب أمريكا الخارجية. وما كان مستنقع أفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفييتي بأقل كارثية من حرب فيتنام، دون التعلم من دروس التاريخ، وأهمها أن السلام -حتى وإن كان باردا- أقل كلفة وأجدى نفعا من الحروب بكل أشكالها.
لا أذيع سرا إن قلت أن ما استقطب الاستثمار الخارجي إلى فيتنام كان في الأساس رخص ومهارة العمالة المحلية، وبعضها أيضا مستورد من مهاجرين ووافدين في الإقليم، فضلا عن القرب من المواد الخام والأسواق المتاحة لتلك البضائع.
الأثاث المكتبي كان من ضمن تلك المشاريع ذات المردود السخي، وإن كان غير سريع، لحين بناء سمعة اقتصادية تستطيع مثلا منافسة الأثاث المكتبي والمنزلي والفندقي الصيني والتايواني والياباني آسيويا، فضلا عن السويدي عالميا الذي ما زال ينافس الياباني في مسألتين هما حسن استغلال المساحة التي يشغلها الأثاث بعيدا عن الفخامة وسهولة فكه وتركيبه.
ما لفت انتباهي مع رواج التجارة الإلكترونية سيما في عصر شركة أمازون الأمريكية، هو الأثر المتنامي للمستهلك في أي مكان في العالم وتأثيره على تحديد المطلوب من المنتج دون الالتفات إلى أي اعتبار باستثناء كلف الشحن والنقل والتحميل والتخزين وسرعة التخليص على البضائع، مما يضفي على موقع الإنتاج -المشروع- أهمية مضافة. فإن تساوت مزايا الإنتاج والبيع بين الأردن وفيتنام، لنا أن نتخيل الفرص التي يوفرها الموقع الجغرافي للصناعيين والمستثمرين في كلا البلدين.
التجارة لن تكون مجدية ما لم تكن حرة. حرة ليست في إزالة القيود والعوائق التجارية الجمركية، بل ومتحررة من محرمات ومحظورات ومحددات قد تفرضها الأيديولوجيات أو رواسب التاريخ، حتى وإن كانت بحجم المآسي التي خلفتها حرب فيتنام على الجميع، وقد اعتُبر من مخلفاتها ارتفاع نسب تعاطي السموم المسماة المخدرات ومعاقرة الكحول والعنف المنزلي والمجتمعي والانتحار. العلاقات التجارية الأمريكية الفيتنامية اليوم في أعلى درجاتها وتكاد لا تغيب الملبوسات الفيتنامية عن كبرى المحال التجارية والمولات في أميركا. المنتج الأردني ينافس في أمريكا دولا كثيرة من ضمنها فيتنام، في قطاعات عدة منها الملبوسات. فماذا عن ذلك المثال، الأثاث المكتبي تحديدا؟
يستدل من تجارب شخصية ومهنية أن القطاعين العام والخاص وحتى الأسر والأفراد، في إقبال متزايد على ما بالإمكان وصفه بالأثاث العصري أو التأثيث الذكي. من المعايير التي تستقطب المزيد من المستهلكين، هي الصحة بشكل عام واللياقة العقلية والبدنية على وجه الخصوص. لا إنتاجية ولا سعادة في غياب ذلك التاج على رأس الأصحاء التي لا يراه إلا المرضى كما جاء في الأمثال. وعليه، فإن الإقبال متزايد على ما يقي المستهلكين أمراض السمنة وقلة الحركة وكثرة الجلوس، ومنها أمراض القلب والضغط والسكري بنوعيه (مقاومة الإنسولين).
عوضا عن الفخامة والكلف العالية وهوس بعض المستهلكين بتجديد أثاث المكتب وصالونات استقبال الضيوف، راجت المصانع التي صممت مكاتب بلا مقاعد وكراسي بلا ظهور، حيث لا حاجة لإسناد الظهر ولا لوسادتين جانبيّتين لارتكاز الكوعين! المستهلك الواعي صحيا يعلم أن سنده الحقيقي هو ظهره، وأن قوامه و»حيله» الذي به يشتد ويعتد هو إدامة الحركة وقلة القعود (الجلوس)! لتحقيق ذلك راجت المكاتب القابلة للعمل قياما وجلوسا، وأخرى التي تتيح لما تحتها مما ينشّط ويرفع من إنتاجية صاحب المكتب، من جهاز مشي آلي أو ذاتي الدفع بحركة الرجلين.
قد يكون من الصعب لظروف خاصة إعادة استقطاب أخي المستثمر الأردني الفيتنامي من هناك، لكنه بالتأكيد وغيره من الأصدقاء قادرون على توسعة مشروع كهذا، خدمة لأصحاب المكاتب ومراجعيها!
