من طوكيو، العاصمة التي تمثل قلب التكنولوجيا والاقتصاد في آسيا، حمل جلالة الملك عبدالله الثاني رسالة الأردن إلى العالم الصناعي المتقدم، مؤكداً أن المملكة تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي القائم على الشراكة والتكامل والاستثمار في المستقبل.
زيارة جلالته إلى اليابان محطة استراتيجية تعكس إدراك القيادة الأردنية لأهمية التحول شرقاً نحو اقتصادات كبرى تمتلك التكنولوجيا والخبرة ورؤوس الأموال، في وقتٍ يعيد فيه العالم رسم خريطته التجارية والصناعية.
اللقاء الذي جمع جلالة الملك مع إمبراطور اليابان ناروهيتو في القصر الإمبراطوري بطوكيو، لقاء جسّد الاحترام المتبادل والتقدير التاريخي بين بلدين يلتقيان في قيم الاستقرار والعمل والالتزام بالتنمية والسلام وحمل رمزية سياسية وإنسانية عالية، عكست عمق العلاقات التي تربط العائلة الهاشمية بالأسرة الإمبراطورية منذ أكثر من سبعين عاماً.
لكن خلف البعد البروتوكولي، برزت الرؤية الاقتصادية التي رافقت الزيارة، حيث ركّز جلالته على الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وضرورة توسيعها لتشمل قطاعات جديدة في التكنولوجيا والطاقة والتعدين والصناعات المتقدمة، في سياق ترجمة عملية لرؤية التحديث الاقتصادي التي يقودها الأردن بثبات.
الأردن الذي تمكّن من تحقيق مؤشرات نمو إيجابية رغم الظروف الإقليمية الصعبة، يواصل اليوم بناء سرديته الاقتصادية الجديدة: بلدٌ صغير في الجغرافيا، كبير في الفرص، يمتلك استقراراً سياسياً نادراً في محيطه، وبيئة تشريعية استثمارية متقدمة، وبنية تحتية لوجستية رقمية جعلته بوابة طبيعية نحو أسواق المنطقة.
في اجتماعه مع ممثلي الشركات اليابانية وغرفة التجارة والصناعة اليابانية، قدّم جلالة الملك رؤية واضحة ومتكاملة لمستقبل التعاون الاقتصادي بين البلدين.
دعا جلالته إلى إنشاء نافذة استثمارية مشتركة بين الأردن ومنظمة التجارة الخارجية اليابانية (جيترو)، تكون بمثابة منصة دائمة لتنسيق الفرص الاستثمارية ومتابعتها.
وأكد أن الهدف ليس فقط جذب الاستثمارات اليابانية إلى الأردن، بل بناء شراكة متبادلة تقوم على الإنتاج المشترك، والتصنيع التعاقدي، والتكامل الصناعي في مجالات المعادن والطاقة والزراعة والخدمات اللوجستية، بما يعزز القدرة التنافسية لكلا الطرفين.
وفي هذا السياق، لفت جلالته إلى أن الأردن يشهد نمواً واضحاً في القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية، إلى جانب ارتفاع في حجم الصادرات والتحويلات الخارجية واحتياطيات النقد الأجنبي، ما يعكس ثقة الأسواق الدولية بالاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أهمية الاستفادة من الخبرة اليابانية في الابتكار والتكنولوجيا النظيفة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، وهي القطاعات التي تشكل جوهر رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية.
اليابانيون من جهتهم أبدوا اهتماماً كبيراً بالفرص المتاحة في الأردن، خاصة في ظل موقعه الجغرافي الذي يتيح الوصول إلى أسواق العراق وسوريا والخليج، إضافة إلى بيئة استثمارية تتميز بالأمان والقوانين المستقرة. وقد أكد ممثلو الشركات الكبرى أن الأردن يمكن أن يكون مركزاً إقليمياً لإعادة التصدير نحو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خصوصاً في مجالات الأدوية، والصناعات الغذائية، والمنسوجات، والخدمات اللوجستية.
ولم يقتصر اهتمام الملك على القطاع الخاص فقط، بل شمل أيضاً لقاءه رئيس مجلس إدارة جمعية الصداقة الأردنية اليابانية والمستشار الأعلى في شركة ميتسوبيشي، ميكيو ساساكي، حيث تم بحث تعزيز الشراكات في قطاعات الطاقة والصناعة، وتوسيع التعاون في الاستثمار المشترك، بما يرسّخ الحضور الياباني في مشاريع الأردن التنموية الكبرى.
والتقى جلالته وزير الدفاع الياباني، حيث تناول اللقاء التطورات الإقليمية والتعاون العسكري، في سياقٍ يربط الأمن بالاقتصاد، ويؤكد أن الاستقرار السياسي والأمني هو شرط أساسي لأي نهضة اقتصادية مستدامة.
كما جاءت مباحثات الملك مع رئيس الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) الدكتور أكيهيكو تاناكا، لتؤكد على أهمية توسيع الشراكة بين الأردن والوكالة، الممتدة لـنحو 40 عاما، لتشمل فرص توسيع مجالات التعاون القائم في تحلية المياه لاسيما مشروع الناقل الوطني.
تأتي زيارة الملك إلى اليابان ضمن مسارٍ متكامل من الدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها منذ سنوات، وجعلت من الاقتصاد ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأردنية، فبعد زيارات ناجحة إلى أوروبا، وكندا، وأستراليا، والولايات المتحدة، يواصل جلالته الآن الانفتاح على الشرق الآسيوي، حيث تتركز التكنولوجيا والصناعات المستقبلية والأسواق الواعدة.
اليابان، التي تعد ثالث أكبر اقتصاد في العالم، تمثل بالنسبة للأردن شريكاً استراتيجياً يمكن من خلاله الوصول إلى شبكات استثمارية وصناعية عالمية، خصوصاً أن طوكيو تولي اهتماماً خاصاً بالاستقرار في الشرق الأوسط، وترى الأردن نموذجاً في الأمن والانفتاح والاعتدال.
وفي المقابل، ينظر الأردن إلى اليابان بوصفها نموذجاً للتنمية القائمة على الانضباط والعمل والإبداع، وهو ما يتقاطع مع فلسفة التحديث التي يتبناها جلالته.
تحمل الجولة الملكية في طوكيو رسالة سياسية واقتصادية مزدوجة؛ فمن جهة، تؤكد أن الأردن يتحرك بفاعلية لبناء شراكات طويلة الأمد قائمة على المنفعة المتبادلة.
من جهة أخرى، تبرز أن الاقتصاد الأردني تجاوز مرحلة «الصمود» إلى مرحلة «التمدد»، عبر البحث عن أسواق جديدة وفرص تصدير واستثمار متقدمة.
وفي المشهد الإقليمي المليء بالتحديات، يظهر الأردن بثقة واقتدار. فبينما تعاني المنطقة من الاضطرابات، يمضي الأردن بخطى مدروسة نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام، يربط الشرق بالغرب، ويستثمر في موقعه كمركز إنتاجي ولوجستي وخدماتي، وكوجهة واعدة للاستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة والتعدين والتكنولوجيا النظيفة والسياحة العلاجية.
زيارة الملك إلى اليابان حلقة محورية في مشروع التحديث الوطني، تؤكد أن الاقتصاد بات في صلب الحراك الدبلوماسي الأردني، وأن الأردن، بثقله السياسي واستقراره وأدواته الحديثة، أصبح شريكاً موثوقاً في صياغة مستقبل الاقتصاد الإقليمي.
إنها جولة تصنع التحول، وتعلن بوضوح أن الأردن ينتقل من موقع المتأثر بالتحولات إلى موقع الفاعل فيها، وأن رؤية الملك ليست محصورة في الداخل فقط، بل تمتد إلى العالم، تحمل شعاراً واضحاً: «الأردن شريك في التنمية.. وصانع في اقتصاد المستقبل.”
