بقلم: محب الله نوري
الكاتب والناشط الإقليمي والرئيس التنفيذي لحركة فجرستان للتكامل الإقليمي (FRIM)
الموضوع: دعوة إلى الاتحاد الحضاري الفجرستاني
فيرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية
أصحاب الفخامة والمعالي، قادة الشرق الأوسط الكبير المحترمين،
لقد عانى شعب منطقتنا أجيالًا طويلة من الانقسام، والحروب، والتدخلات الأجنبية، والوعود المكسورة. ومع ذلك، ورغم هذا التمزق، ما زلنا مرتبطين بشيء أعمق من الحدود السياسية: جغرافيا وتاريخ وثقافة وحضارة مشتركة تمتد من بلاد الشام إلى القوقاز، ومن الخليج إلى آسيا الوسطى والجنوبية.
نقف اليوم عند لحظة حاسمة. بعد عقود من التدخل الخارجي والصراعات الداخلية، باتت فرصة بناء مستقبل جديد نابع من إرادتنا في متناول اليد. ولكن الأمر متروك لنا – نحن القادة والمفكرون وشعوب الشرق الأوسط الكبير – لنغتنم هذه اللحظة قبل أن تفلت من بين أيدينا.
تتوجه حركة فجرستان للتكامل الإقليمي (FRIM) إليكم في هذا المنعطف التاريخي. لقد أضعفت منطقتنا على مدى قرون الانقسامات الداخلية والهيمنة الخارجية. فالقومية العرقية، والتطرف الطائفي، والتدخلات الأجنبية جعلتنا مجزئين وعديمي الصوت في النظام العالمي. ومع ذلك، فإن أسس نظام إقليمي جديد باتت موجودة بالفعل، وفرصة التحول باتت قريبة المنال.
لقد طُرحت رؤية “المنطقة الحضارية الفجرستانية” لأول مرة في كتابي عام 2007 الذي يحمل الاسم نفسه، ثم توسعت لاحقًا في كتاب فجرستان: حركة إقليمية لتعايش الأمم (2011). وتمثل هذه الرؤية نقدًا شاملاً، وفي الوقت ذاته بديلاً شاملاً للإيديولوجيات الإقصائية الداخلية مثل التطرف الإسلامي والقومية العرقية، وكذلك للأنماط الإقليمية المفروضة خارجيًا. وهي تستند إلى الإيمان بأن التراث الثقافي المشترك والروابط الحضارية يشكلان المحرك الأساسي للتكامل الإقليمي، وتدعو إلى “إقليمية حضارية” قائمة على عملية ديمقراطية تتمحور حول الشعوب، وتؤكد الهوية المشتركة بدلًا من الانغلاق الإيديولوجي أو التبعية للأطر الخارجية المصطنعة.
إن كلمة “فجر” ترمز إلى بداية جديدة، بينما “ستان” – وهي فارسية الأصل – تعني “الأرض”، وتشكل جزءًا من أسماء العديد من دول المنطقة مثل أفغانستان، وباكستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وأوزبكستان. وقد بدأت فكرة “فجرستان” كمشروع اتحاد بين “الستانات”، لكنها تطورت اليوم إلى رؤية لـ اتحاد حضاري شامل، ديمقراطي، وتعددي، يعزز تقرير المصير الحضاري، ويدعو إلى تكامل إقليمي أعمق، وحدود مفتوحة، وحركة حرة للأفراد والبضائع والخدمات.
لقد نشأت الدوافع الأولى لهذه الرؤية من ملاحظتي المباشرة لتفكك الاتحاد السوفييتي الذي مهد لتأسيس منظمة التعاون الاقتصادي (ECO)، ومن فشل تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مما دفعها نحو إنشاء منظمة الدول التركية (OTS)، وأخيرًا من انسحاب حلف الناتو من أفغانستان الذي خيّب آمال المنطقة وخلق فراغًا شجع مبادرات جديدة مثل القمم المشتركة بين مجلس التعاون الخليجي وآسيا الوسطى. لقد أبرزت هذه التطورات محدودية الأطر المفروضة من الخارج، وأكدت الحاجة الملحّة إلى نموذج إقليمي حضاري ينبع من هويتنا وتراثنا المشترك.
تملك مؤسساتنا الإقليمية بالفعل القاعدة اللازمة لمثل هذا الاتحاد. فكل من منظمة التعاون الاقتصادي (ECO) ومجلس التعاون الخليجي (GCC) ومنظمة الدول التركية (OTS) تمثل مجتمعة نحو 700 مليون نسمة وناتجًا محليًا إجماليًا يفوق 5 تريليونات دولار، إلى جانب احتياطيات هائلة من الطاقة ومشروعات استراتيجية كأنبوب الغاز “تابي” ومشروع “كاسا-1000” والممر الأوسط. كما أن قمم مجلس التعاون الخليجي وآسيا الوسطى لعامي 2023 و2024، واستراتيجية ECO لعام 2035، ورؤية العالم التركي لعام 2040 تشكل جميعها خرائط طريق واضحة. ومن خلال توحيد القوانين، وفتح الحدود، ودمج الاقتصادات، يمكن لهذه المؤسسات أن تتحول من تكتلات مجزأة إلى عمود فقري لنظام حضاري جديد.
وفي الوقت ذاته، تظهر في منطقتنا فرص جديدة للمصالحة. فعملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني أثبتت أن حتى أعمق الجروح القومية يمكن معالجتها عبر الشمول السياسي. ويمكن لهذا النموذج أن يُلهم الأكراد والبلوش والپشتون، الذين قسّمتهم الحدود، للسعي نحو التمثيل داخل إطار إقليمي مشترك بدلًا من الانفصال. وفي المقابل، يجب أن تفسح الإيديولوجيات الإقصائية مثل القومية العربية أو التركية أو الإيرانية المجال للتعددية والانفتاح.
لقد غذّت الصراعات الطائفية لعقود والأحلام الإمبراطورية للخلافة أو الإمامة حروبًا مدمرة. لكن اتفاق التطبيع بين إيران والسعودية عام 2023، والتحولات البراغماتية لدى طالبان في أفغانستان وهيئة تحرير الشام في سوريا، أثبتت أن الطائفية يمكن أن تخضع للحوار، وأن التطرف يمكن احتواؤه عبر الواقعية السياسية. هذه الأمثلة تثبت أن الشمول والتعددية ممكنان حين يختار القادة التعاون بدل المواجهة.
أصحاب الفخامة،
على الصعيد الخارجي، يشهد العالم أيضًا تحولات تصب في صالحنا. فالغرب يعيش تحولًا استراتيجيًا عميقًا، متخليًا عن عقدين من حملات مكافحة الإرهاب والتدخل العسكري في الشرق الأوسط، متجهًا نحو منافسة استراتيجية مع الصين. وهذا يعكس ليس فقط الإرهاق من حروب لا تنتهي في العراق وأفغانستان، بل أيضًا إعادة توجيه أوسع نحو “دبلوماسية السلام والتطبيع والانخراط الاقتصادي”.
في هذا النهج الجديد، لم يعد الشرق الأوسط يُعامل كمسرح للتدخل، بل يُنظر إليه على نحو متزايد كمنطقة أصبح فيها السلام والاستقرار والتكامل الإقليمي ضرورة لبناء نظام جديد. ويظهر هذا التحول في عدة مظاهر: اتفاقات أبراهام التي طبّعت العلاقات بين إسرائيل وعدة دول عربية (رغم أنها تبقى ناقصة من دون فلسطين)، وتطبيع التعامل مع أطراف متطرفة كطالبان وهيئة تحرير الشام باعتبارهما فاعلين سياسيين بحكم الواقع، والوساطة التي قام بها الرئيس دونالد ترامب لإنهاء النزاعات بين إيران وإسرائيل والهند وباكستان خلال 12 يومًا، ما أبرز أولوية الدبلوماسية على المواجهة، وأخيرًا الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر 2025 من قبل المملكة المتحدة وأستراليا وكندا والبرتغال وفرنسا، مما أعاد العدالة إلى قلب الدبلوماسية الإقليمية.
وفي هذا السياق المتغير، طرح الرئيس ترامب أيضًا خطة شاملة بشأن غزة وإسرائيل، قُدمت إلى القادة العرب والمسلمين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2025، وقد تم تعديل المقترحات السابقة التي تضمنت أفكارًا مثيرة للجدل مثل إدارة أمريكية لغزة أو إعادة توطين الفلسطينيين، لتصبح أكثر توافقًا مع المواقف الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، تحول الغرب إلى استراتيجية تقوم على الدبلوماسية التقنية–الاقتصادية، عبر الاستثمار في مراكز الابتكار بالذكاء الاصطناعي، وممرات الطاقة، والشراكات الرقمية في الخليج وآسيا الوسطى، بهدف تحقيق الاستقرار الإقليمي وتحرير موارده للتفرغ للتنافس مع القوى الكبرى في آسيا. والدروس لنا واضحة: البيئة العالمية اليوم أكثر ملاءمة لتقرير مصيرنا الإقليمي من أي وقت مضى.
إن الشرق الأوسط الكبير هو المنطقة الوحيدة في آسيا التي لا تملك تكتلًا إقليميًا متماسكًا. فشرق آسيا وجنوبها وأوراسيا كلها تمتلك نظمًا إقليمية خاصة بها، بينما ترك غيابنا فراغًا ملأته القوى الخارجية. ومن خلال تشكيل تكتلنا الخاص، يمكننا أخيرًا تحقيق التكافؤ مع بقية المناطق الآسيوية، وموازنة النفوذ بين شرق آسيا وأوراسيا وجنوب/جنوب شرق آسيا، وإقامة علاقات متوازنة ومحترمة مع الغرب.
لقد حان الوقت لتنظيم الشرق الأوسط الكبير كـ الكتلة الإقليمية الرابعة الكبرى في آسيا، كتلة تقوم على الكرامة والسيادة والتعاون، لا على الهيمنة أو التوسع.
أصحاب الفخامة،
إن الاتحاد الحضاري الفجرستاني الذي نقترحه ليس إحياءً لإمبراطورية، ولا وحدة قسرية، بل إطار شامل يكرّم تراثنا المشترك ويصون كرامة الجميع — العرب والفرس والترك والأكراد والپشتون والبلوش وشعوب آسيا الوسطى، سنة وشيعة على السواء. إنه يتصور حدودًا مفتوحة، وحركة حرة للأفراد ورؤوس الأموال، وهوية إقليمية قائمة على التعايش لا الإقصاء. إن الهدف الأسمى لهذا النظام الإقليمي الجديد هو ضمان السلام والازدهار في المنطقة. داخليًا، يجب أن يُبنى على الشمولية، فيحتضن جميع شعوب وثقافات ومجتمعات المنطقة. وخارجيًا، يجب أن يسعى إلى التوازن، عبر بناء علاقات سلمية وتعاونية مع القوى العالمية مع الحفاظ على حق تقرير المصير الإقليمي.
وانطلاقًا من هذه الروح، وإدراكًا للفرص التاريخية أمامنا، تقترح حركة فجرستان للتكامل الإقليمي الخطوات التالية:
- عقد قمة لقادة الشرق الأوسط الكبير تضم منظمة التعاون الاقتصادي ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة الدول التركية كأساس، مع ضمان مشاركة العراق وسوريا ولبنان وفلسطين مشاركة كاملة.
- اعتماد خارطة طريق نحو الاتحاد الحضاري، تتضمن آليات عملية للسيادة المشتركة، والممرات الاقتصادية، والحوار الثقافي، والأمن الجماعي.
- ترسيخ مبادئ الشمول والتوازن، من خلال ضمان الدولة الفلسطينية المستقلة، وصون الكرامة الثقافية للأكراد والپشتون والبلوش، وضمان التعايش الدائم بين السنة والشيعة.
أصحاب الفخامة،
نادرًا ما تمنحنا اللحظة التاريخية فرصة كهذه مرتين. خلال “اللعبة الكبرى” أُغلقت حدودنا. وفي عام 1991 أعاد انهيار الاتحاد السوفييتي فتحها. واليوم، مع الاعتراف بفلسطين، ومع مبادرات السلام المنتشرة في المنطقة، ومع تغيّر سياسات القوى الكبرى، نحن مرة أخرى على أعتاب مفترق تاريخي.
لقد بزغ فجر فجرستان، منطقتنا الحضارية. وهو الآن في أيديكم لتجعلوه نظامًا إقليميًا شاملاً ومتوازنًا.
هذه الرسالة ليست دعوة لتقليد الغرب أو للانحياز للشرق، بل هي دعوة للوقوف على أقدامنا، وبناء مستقبل يستند إلى هويتنا وثقافتنا وطموحاتنا.
إنها ليست حلمًا طوباوياً؛ إنها لحظة واقعية. الهياكل بدأت تتشكل، والعالم يتغير، والفرصة أمامنا — ولكن الفرص لا تدوم إلى الأبد.
نناشدكم، ليس فقط كقادة سياسيين، بل كأوصياء على مستقبل منطقتنا، أن تتحلوا بالشجاعة والرؤية والوحدة. التاريخ يراقب. والأجيال القادمة تنتظر.
فلننتظر من أحد أن يكتب مستقبلنا.
بل لنبنه معًا.
مع فائق الاحترام،
محب الله نوري
الرئيس التنفيذي
حركة فجرستان للتكامل الإقليمي (FRIM)
