الدبلوماسية الإنسانية الإماراتية.. الهلال الأحمر أنموذجا* د. حمدان بن مسلم المزروعي

عروبة الإخباري –

على مدى أربعة عقود شكلت مسيرة الهلال الأحمر الإماراتي أنموذجاً إنسانياً ريادياً في العالم العربي، وبين دول المنطقة، من حيث قدرته على سرعة الاستجابة وإغاثة شعوب العالم خلال الأزمات دون تمييز بين شعب وآخر.

هذه المسيرة لم تكن محصورة بالأزمات، وإذا كان الهلال الأحمر الإماراتي يطلق حملات استثنائية خلال في ظروف الحروب والنكبات والكوارث الطبيعية، إلا أنه أيضاً كان قادراً على تحقيق مبدأ مهم في العمل الخيري، أي الاستدامة من خلال البرامج الإنسانية مثل كفالات المرضى والأيتام، والأسر الفقيرة، والطلبة، وكفالات توفير العلاج، وغير ذلك من برامج مبتكرة داخل دولة الإمارات، وفي الدول العربية، بل إن حملات الهلال الأحمر الإماراتي التي تميزت بالريادة والابتكار، تنوعت وكانت أنموذجاً يحتذى في العمل الإنساني من حيث مشاريع التمكين، والوقف، وتأمين المساكن، وبرامج دعم العمالة خلال الأزمات مثل جائحة كورونا، والكثير مما قدمه مجتمع دولة الإمارات عبر تبرعاته الكريمة للهيئة، والدور والتي نجحت في كسب ثقة المؤسسات الشريكة والأفراد.

لم يأت الهلال الأحمر الإماراتي لولا تلك الروح الطيبة التي بثها فينا الأب المؤسس الشيخ المغفور له الشيخ زايد آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان قائداً من قادة العمل الإنساني، وكرس هذا النهج بين أبناء دولة الإمارات، وتأثر به كل مواطن إماراتي في نظرته إلى شعوب العالم، وإلى دوره الإنساني، بما يتطابق مع طبيعتنا الاجتماعية، فيما تعزز قيادة الدولة، حفظها الله، هذا النهج الطيب الذي يدل على نبل معدن أبناء الإمارات، وميلهم إلى مساعدة شعوب العالم، حتى وصلت مساعدات الهلال الأحمر الإماراتي إلى دول وشعوب العالم، من الفلبين إلى الصومال، ومن السودان إلى ماليزيا، ومن البوسنة إلى باكستان، وموريتانيا، وجزر القمر، وأندونيسيا، والهند، وسورية، ولبنان، وبنغلادش، وتنزانيا، وسريلانكا، والصين وتركيا، وكازاخستان وطاجاكستان والعراق والأردن وتشاد والسنغال، والمالديف وقيرغيزستان وألبانيا وإثيوبيا وجنوب أفريقيا والنيجر، دون تفرقة بين شعب وآخر، على أساس القومية، أو العرق، أو الدين، أو المنبت.

حيثما كانت هناك حاجة، كان أبناء الإمارات وفرق الهلال الأحمر الإماراتي يتواجدون في الميدان، نحن ندرك معنى الفروسية ومعناها في العمل الخيري.. لإنهاب مواقع الأزمات، ولا الأخطار لتأدية رسالتنا.

يعد أنموذج الهلال الأحمر الإماراتي أنموذجا رياديا من حيث قدرته على التخطيط بحرفية للحملات، وقدرته على التنفيذ والوصول إلى كل المواقع الخطرة، بسبب مكانة الدولة الراسخة وقبولها بين دول العالم، وهذا الدور يعزز من القوة الناعمة للدولة، وهي قوة لا تستهدف إلا تحقيق السلم والأمن والرفاه، وصون حياة الإنسان أولا، وهذه هي القوة الناعمة الحقيقية للدول هذه الأيام، أي أن تكون الدولة نموذجاً إنسانياً يعزز الحياة.

لقد جاءت الظروف الاستثنائية التي يعبرها الأشقاء الفلسطينيون مؤلمة لنا جميعاً، ولا أنسى أنني عند استقبال أبناء قطاع غزة الجرحى والمرضى الذين وصلوا عبر طائرات الإمارات من خلال التنسيق مع الشقيقة مصر، قلت لهم أننا نتألم لأجلهم، ولا ننام ليلنا أمام معاناتهم، وندعو لهم، وكنا هنا نعبر عن نبض قلوبنا تجاه الأشقاء في فلسطين، خصوصاً، أن دعم الإمارات لفلسطين ليس جديداً، ولنا محطات ممتدة تاريخياً وعبر عقود، في قطاع غزة، قبل الحرب الحالية، وفي الضفة الغربية ومخيماتها وفي مدينة القدس، فهذه روابط متجددة، تحرك فينا كل المشاعر والدوافع لمساعدة أشقائنا هناك.

نحن نؤمن بأهمية تحشيد وتعبئة قوة الإنسانية لمساندة المستضعفين، وجهود الهلال الأحمر الإماراتي تعد جزءا من جهود مؤسسات دولة الإمارات، تتكامل وتتشارك معنا، لأن اسم دولة الإمارات هنا بات مرادفاً للإنسانية، ومترجماً لها على أرض الواقع، ومن الطبيعي أن يكون جهد الهلال الأحمر الإماراتي تجاه فلسطين قديماً وممتداً، حيث نجحت الهيئة، سابقاً، في إعمار مخيم جنين في فلسطين، وبنت ضاحية الشيخ زايد في القدس، وأقامت الحي الإماراتي في رفح، وبنت 100 وحدة سكنية في الضفة الغربية، بالإضافة إلى المساهمة في بنية جامعة الأقصى التحتية، وترميم منازل بيت حانون في غزة، والأمر ذاته يمتد إلى جهود هذه الأيام حين نقوم بكل فخر بمساعدة أشقاء العروبة والدم في قطاع غزة.

كل هذه الجهود نجحت أيضاً بفضل إرادة أبناء الإمارات، وللشراكة الفاعلة مع دول عربية وأجنبية، مثل الأردن ومصر، وصولا إلى التعاون مع المؤسسات الدولية، لأن الهدف هو إغاثة أبناء قطاع غزة.

على سبيل الاستذكار فقط، لا إحصاء الأرقام الصماء في وجه أزمة أنسانية طاحنة نؤشر على جهود الدولة الإماراتية التي أثمرت عن أكثر من 33,000 طن من الإمدادات العاجلة نقلت عبر1,243 شاحنة، و320 رحلة جوية، ونؤشر أيضاً إلى سفن المساعدات الإماراتية التي رست في مطار العريش المصري ونقلت أكثر من 13,190 طناً من الإمدادات الإغاثية، وما قامت به دولة الإمارات ومؤسسة المطبخ المركزي العالمي حين استكملا بنجاح وفي سابقة تاريخية، توصيل 1352 طنا من المساعدات الغذائية إلى قطاع غزة عن طريق البحر وتسليمها إلى شمال القطاع.

ومع كل هذا إقامة المستشفى الميداني الإماراتي في قطاع غزة، والمستشفى الإماراتي العائم في قطاع غزة، واستقبال مدينة الإمارات الإنسانية للجرحى والمرضى من قطاع غزة، وتحويلهم إلى المستشفيات عبر جسر جوي متواصل، بعد توجيه سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة، حفظه الله” بعلاج  1000 طفل فلسطيني من الجرحى و1000 من المصابين بأمراض السرطان من القطاع في مستشفيات الدولة، حيث وصل فعلياً إلى الدولة أكثر من 698 مريضا أو جريحا من أبناء غزة بالإضافة إلى 764 مرافقاً لهم، عبر 17 رحلة جوية، تؤكد تسخير الدولة لكل الإمكانات لدعم الأشقاء الفلسطينيين.

هذه الجهود المباركة بما في ذلك الإنزالات الجوية التي نفذتها أطقم تابعة للقوات الجوية الإمارات بشكل مباشر أو بالتعاون مع مصر والأردن، ضمن عملية “طيور الخير”، تأتي على أساس تخطيط محترف للحملات الإنسانية وأشير هنا إلى ما حققته حملة “الفارس الشهم 3″ من منجزات، وإلى ما قدمه أبناء الإمارات والمقيمون في الدولة عبر حملة ” تراحم” وما تمثله الجهود الإماراتية من تنوع لم يستثن شيئاً، من محطات تحليات المياه، مروراً بالمخابز، وصولا إلى كسوة الأعياد، والتبرع النقدي للمؤسسات الدولية.

هذه الظروف الاستثنائية في قطاع غزة تدخل شهرها التاسع اليوم، ونحن أمام هذا المشهد الصعب والمؤلم ندرك أن علينا الكثير لنقدمه للغزيين، ولا نبتغي إلا التخفيف عنهم، وسط هذه المحنة، وإذا كان الهلال الأحمر الإماراتي من أوائل المؤسسات العربية والدولية التي دخلت القطاع بدايات الحرب، فهذا يؤكد صدقية مشاعرنا تجاه الأهل في القطاع، مثلما ندرك دوماً أن دورنا متواصل، خصوصا، أن الفترة المقبلة قد تكون الأكثر صعوبة من حيث احتياجات القطاع، ونحن في الهلال الأحمر الإماراتي نعد جزءاً من منظومة إماراتية تركز على العمل الإنساني، ونتكامل معاً في تحقيق مستهدفات رسالة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، بما يتطابق مع روح الخير المغروسة في وجدان كل إماراتي، هذه الروح الموروثة والأصيلة، جيلاً بعد جيل، روح يدركها كل من عرف الإمارات عن قرب، أو عاش فيها، أو زارها.

سنبقى إلى جانب الأشقاء في غزة، وسيبقى الهلال الأحمر الإماراتي وكل مؤسسات دولة الإمارات التي نتشارك معها، على ذات النهج، نساند الأشقاء، ونقف إلى جوار شعوب العالم، دون منة منا على أحد.

 

رئيس مجلس إدارة هيئة الهلال الأحمر الإماراتي

شاهد أيضاً

المدارس الصيفية في لبنان بشروط صعبة!* الاعلامية رلى عبدالقادر الذهيبي

عروبة الإخباري – بداية، جزيل الشكر والتقدير على الجهود المبذولة في قطاع التعليم وتحسين ظروفه، …