لماذا لا ينعكس النمو الاقتصادي على حياة الأردنيين؟ د.رعد محمود التل

قد يكون هناك عدد من العوامل التي تسهم في عدم انعكاس التحسن بالمؤشرات الاقتصادية الكلية، وأولها معدل النمو الاقتصادي، على مستويات حياة الناس بشكل مباشر، فلا معدلات البطالة تنخفض ولا مستويات الدخل الفردية تتحسن، ليبقى الأثر غير ملموس أو مشاهد.
صحيح أن معدلات النمو الاقتصادي في الأردن خلال السنوات الأخيرة كانت منخفضة ولم تتجاوز بمتوسطها 2.5 % (أي أن معدلات نمو السكان كانت أعلى من معدلات النمو الاقتصادي)، إلا أن ذلك المتوسط كان ثابتًا نسبيًا في تلك السنوات، لكن هذا النمو لم يُترجم بالضرورة إلى تحسين مستويات المعيشة لغالبية الأردنيين، رغم أن الاقتصاد المستقر نظرياً قد يكون سبباً في المساهمة في معدل بطالة منخفض نسبيًا وتحسن نسبي على حياة الناس، لكن ما يزال العديد من الأردنيين يعانون من الفقر ونقص الفرص الاقتصادية.
بالنسبة لعدم انعكاس معدلات النمو الاقتصادي على أرقام التشغيل، فقد يكون هناك سببان رئيسان لذلك؛ أولهما بأن المتفحص لأرقام النمو الاقتصادي عبر تلك السنوات، سيرى أن النمو الاقتصادي قد قاده التحسن والنمو في بعض القطاعات التي نمت بصورة مضطربة وعالية نسبياً، إلا أنها لا تعد من القطاعات الأساسية في خلق فرص العمل في الاقتصاد الأردني؛ حيث لا يقبل عليها الأردنيون لأسباب مختلفة، أهمها مستوى البيئة التشغيلية غير المناسب من ناحية الدخل، ساعات العمل، التأمين الصحي والحماية الاجتماعية.
ثاني تلك الأسباب هو انخفاض إنتاجية العامل أو الموظف الأردني؛ حيث حل الأردن ضمن أضعف 20 دولة في العالم من حيث النمو في إنتاجية العمال خلال الفترة 2010-2018، ذلك يعني أن تحسن النمو الاقتصادي على المستوى الجزئي أو الكلي لن يدفع لزيادة أرقام التشغيل أو التوظيف أو خلق المزيد من فرص العمل، بل سيدفع القطاع العام أو الخاص لرفع إنتاجية العمال أو الموظف حتى يواكب تلك الزيادة أو التحسن في الدورة الاقتصادية وزيادة الطلب أو المبيعات، وبالتالي لم تنعكس نسب التحسن على سوق العمل الأردني بصورة فارقة. أحد الأسباب الرئيسية أيضاً، لهذا التناقض، هو عدم الوصول إلى التعليم والتدريب الوظيفي. تفتقر نسبة كبيرة من الداخلين الجدد لسوق العمل إلى المهارات والمؤهلات اللازمة للمشاركة في الاقتصاد، مما يجعلهم غير قادرين على الاستفادة من النمو الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن نقص الفرص الاقتصادية في مناطق معينة من البلاد، مثل المناطق الريفية، يمكن أن يحد أيضا من قدرة العديد من الأردنيين على الاستفادة من النمو الاقتصادي.
علاوة على ذلك، قد لا ينعكس النمو الاقتصادي في الأردن على رفاهية المواطنين لأسباب متنوعة. تشمل بعض العوامل المحتملة عدم المساواة في الدخل، ومحدودية الفرص للشركات الصغيرة ورواد الأعمال، والافتقار إلى الدعم الحكومي لبرامج الرعاية الاجتماعية ذات الصبغة الإنتاجية. إضافة إلى ذلك، قد تكون هناك مشكلات هيكلية في الاقتصاد، مثل الاعتماد على وظائف منخفضة الأجر أو نقص التنويع في الصناعات التي تدفع النمو؛ حيث لا تنمو إنتاجية القطاع العام الضخم في البلاد، الذي يعمل فيه العديد من الأردنيين، بنفس معدل نمو القطاع الخاص، مما يؤدي إلى تفاقم الفجوة بين النمو الاقتصادي والفوائد التي يجنيها السكان، خاصة مع زيادة معدلات النمو السكانية عن معدل النمو الاقتصادي.
أخيرًا، يمكن أن تسهم المؤسسات الضعيفة والمفتقرة للحوكمة في انخفاض أثر النمو الاقتصادي الذي ينعكس على السكان. فيمكن أن يؤدي الفساد وانعدام الشفافية إلى انعدام الثقة في الحكومة والقطاع الخاص، مما قد ينعكس سلباً على الاستثمار والنمو الاقتصادي. من المهم أن نلاحظ أن أسباب هذا التناقض من المحتمل أن تكون معقدة ومتعددة الأوجه، وستتطلب معالجتها سياسات وتدابير شاملة تستهدف الأسباب الجذرية، التي من المهم أن تشمل الاستثمار في برامج التعليم والتدريب الوظيفي، تعزيز التنويع الاقتصادي، معالجة عدم المساواة في الدخل، وتحسين الحوكمة والشفافية، إضافة إلى أهمية النظر في التأثير الخارجي المحتمل على الاقتصاد.

شاهد أيضاً

البصرة ترسم صورة العراق من جديد د. ماجد الساعدي

من خلال مشاهدتي لعشرات الفيدوات والمقاطع واتصالات من رجال اعمال وشخصيات خليجية من الكويت وقطر …

%d مدونون معجبون بهذه: