الشراكة الثلاثية.. وبناء الصناعة الوطنية د. ابراهيم بدران

د. ابراهيم بدران

لا خلاف على أن كل شراكة عربية أو اقليمية (بعيدة عن اسرائيل) تمثل تطلعاً وطنياً وقومياً تريده الجماهير العربية وتسعى اليه منذ 50 سنة أو أكثر. وبالتالي فالشراكة العربية سواء كانت شاملة او جزئية هي دائماً محل ترحيب وتشجيع، خاصة حين تكون شراكة حقيقية مقامة دون تسرع على اسس سليمة ومستقرة، وليست مجرد حماس للزعماء لغايات شعبوية أو للتغطية على مشكلات لا يرغبون مواجهتها. دون أن ينسى المواطن العربي عشرات المبادرات والاتفاقات والمواثيق والمؤتمرات والتي لم يكتب لها الاستمرار أو التطبيق.
وقد تم في ابو ظبي قبل أيام اطلاق مبادرة أردنية مصرية اماراتية باسم «الشراكة الصناعية التكاملية لتنمية اقتصادية مستدامة». ومن المتوقع ان تغطي هذه الشراكة خمسة مجالات رئيسة هي الزراعة وتصنيع الأغذية وصناعة الاسمدة وصناعة الدواء وصناعات البتروكيماويات والمنسوجات والمعادن. وهي مجالات فعلا تستحق الاهتمام، وقطع الأردن شوطاً طويلاً وحقق نجاحات مرموقة في ثلاثة منها وهي الاسمدة والدوائيات، وتصنيع الأغذية. وقد ربطت المبادرة الشراكة الصناعية بالتنمية المستدامة. الأمر الذي يعني أن الجانب التنموي يمثل الهدف النهائي للمبادرة. وهذا يستلزم أن تكون المفردات التفصيلية سواء من حيث النوعية أو البناء تدفع باتجاه ان تكون هذه الشراكة رافعة لتنمية اقتصادية مستدامة. إلا أن التباين الكبير بين اقتصادات الدول الثلاث والتباين في قواها العاملة وقاعدتها الصناعية وامكاناتها المالية يستدعي دراسة التفاصيل بكل عمق لمعرفة التوجهات الرئيسية التي يتوجب على الأردن متابعتها في هذا الشأن. كما تستدعي الفروقات الضخمة في كثير من المفردات الاستعداد الرسمي والأهلي لإحداث التغييرات التواؤمية التي تحافظ على سلامة الاقتصاد الوطني، حتى لا تتحول الشراكة الى مجرد نشاط يفوز به الأقوياء، او تتحول الى مدخل للتسلل الاقتصادي الاسرائيلي تنفيذاً للاستراتيجية الاسرائيلية ازاء الاقطار العربي، خاصة بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الكيان الصهيوني والإمارات مباشرة بعد اعلان الشراكة.
وهنا لا بد من الاشارة الى عدد من المسائل المهمة في هذا المجال. اولاً: ان القيمة المضافة للإنتاج الصناعي في الأردن تعادل 11.5 مليار دولار سنوياً مقابل 117 مليار دولار في مصر لتصل 147 مليار في الامارات ثانياً: ان حجم القوى العاملة الأردنية يتجاوز 2 مليون يد عاملة مقابل 8 ملايين في الامارات، و28 مليونا في مصر. ثالثاً: ان الحوافز الضريبية للصناعات وخاصة المتقدمة منها عالية جداً في الامارات، ومتوسطة في مصر، ومحدودة أو ضئيلة في الأردن. مما يستدعي مراجعة سياسات الحكومة في بلدنا في هذا الاتجاه. من جانب آخر فإن البيئة التصنيعية في الإمارات جاذبة جداً بسبب الوفرة المالية والدعم الحكومي والإدارة سريعة الاستجابة. رابعاً: إن الاستعداد للروبوتية والذكاء الاصطناعي وحوسبة البيانات الكبيرة أصبح من شروط النهوض الصناعي الحديث. وهو متقدم تماما في الامارات، وبدرجة متوسطة في الأردن، وبدرجة اقل في مصر. خامساً: ان النقل الحديث، المعتمد على السكة الحديد والناقلات البحرية والنقل الجماعي، ركن اساسي في نجاح التشارك الاقليمي. وهذا الجانب متقدم في الإمارات، وتحت التحديث المكثف في مصر، ولكنه لم يلق الاهتمام الكافي لدينا حتى اليوم.
هذه التباينات الكبيرة تتطلب الاستعداد والعمل بحنكة وجدية والاعتماد على الذات، وليس مجرد الانتظار حتى تأتينا الأموال من الآخرين، او نستورد القوى العاملة والخبرات التكنولوجية من الشركاء، كما هي التجربة مع صندوق الاستثمار السعودي.
وإذا أخذنا مفهوم التكامل الصناعي بأنه يمثل التوجه لخلق حالة من الترابط بين الشركات او الصناعات او العمليات الانتاجية، بهدف الافادة من التمويل المتاح او من اقتصادات الحجم، فإن تطبيق المفهوم لتعزيز التنمية المستدامة بين الاقطار الثلاثة يتطلب الاستعداد المناسب من كل دولة وحسب تفاصيل البنية الصناعية لديها من خلال برامج انتاجية ومالية بالغة التعقيد. ومثل هذا الاستعداد بالنسبة لنا يتوقع ان يشمل ما يلي، أولاً: ان تباشر فرق من الخبراء في المجالات التي سيتم التركيز عليها، وهي الزراعة والغذاء والدواء والمنسوجات والبتروكيماويات والاسمدة والمعادن، وبالتعاون مع المتخصصين في المجال واساتذة الجامعات ذوى الاختصاص لدراسة كل مجال بالتفصيل والتعرف على نقاط الضعف والقوة في ذلك المجال وآفاق التوسع الممكنة. ثانياً: أن تباشر المؤسسات الرسمية بالتعاون مع القطاع الأهلي والقطاع المصرفي على حل مشكلات الصناعة بما في ذلك المصانع والشركات المتعثرة، حتى يكون هناك قطاع صناعي وطني قوي ومتمكن وقادر على المنافسة. ثالثاً: أن يذهب التوجه نحو تطوير صناعة وطنية من خلال مشاريع جديدة، أو التوسع فيما هو قائم من الصناعات، وليس مجرد الشراكة الصورية او تصدير القوى العاملة الاردنية. رابعاً: إن الأردن لديه صناعات دوائية متميزّة، كما ولديه الامكانات لصناعة الأسمدة على انواعها اذا توفر الغاز الطبيعي، وبوجود شركتي الفوسفات والبوتاس والشركات التابعة لهما يمكن للأردن ان يكون مرتكزاً قوياً لصناعة الاسمدة خامساً: إن المجالات الخمسة التي جرى الاتفاق عليها تفتقر معظمها الى الصناعات القبلية والصناعات البعدية التي تحتاجها. ومن هنا فإن تصنيع مدخلات الانتاج وتصنيع المنتجات النهائية يصبح امراً بالغ الأهمية في تعزيز التنمية المستدامة، ومواجهة مشكلة البطالة في الاردن، والتي تصل 3 أضعاف البطالة في مصر سادساً: إن تطوير الصناعات يتطلب أبحاثا تطبيقية سواء للوصول الى منتجات جديدة او لتحسين نوعية الانتاج او لزيادة الانتاجية. ومن هنا فإن صندوق الاستثمار الذي تم تخصيصه بـ10 مليارات دولار ينبغي ان يُخصص جزء معتبر منه لا يقل عن 10 % لغايات البحث والتطوير. ولدى الأردن كوادر علمية وبحثية جيدة سواء في الجامعات أو خارجها. وهنا يستطيع كل شريك في المبادرة ان يتخصص في مجالين رئيسيين من المجالات التي تشملها الشراكة. ويمكن للأردن ان يكون متميزاً في الابحاث الخاصة بالدواء والغذاء والأسمدة. سابعاً: ان الشراكات كثيرا ما تميل او تركز على الاستحواذ. ومن هنا فإن شراء او بيع الإصول الوطنية يجب ان يكون أمرا مرفوضا لأنها لا تساعد على التنمية المستدامة كهدف معلن للشراكة. وحتى لا تتكرر تجربة الخصخصة الفاشلة لدينا يتوقع ان يتمسك الأردن بتنمية وتوسيع ما لديه من مؤسسات صناعية وفي نفس الوقت تشجيع ودعم صغار المستثمرين والرياديين على انشاء مشاريع جديدة، تخدم الانتاج الصناعي للشراكة الجديدة.
وأخيراً، فإن التوجه الذي توحي به المبادرة جيد تماماً، ولكن بسبب الفواصل الجغرافية، والفروق الاقتصادية والتكنولوجية، والتباين في الامكانات، كل ذلك يتطلب الكثير من الوعي والمشاركة الحقيقية من الخبراء والمؤسسات العلمية والقطاعات ذات العلاقة. وبذا يمكن للشراكة ان تساهم في صنع مستقبل يحمل عنوان التنمية النشطة المستدامة.

شاهد أيضاً

العدوان الإسرائيلي… توقيت واهذاف… وضرورة التصدي له ؟ د فوزي علي السمهوري

العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة لم يكن سوى حلقة من سلسلة من الجرائم …

%d مدونون معجبون بهذه: