“لم يفت الوقت”

عروبة الإخباري – كتب سلطان الحطاب   
على مساحة أكثر من 460 صفحة أعادت السيدة النابهة ملك التل انتاج السيد سامي قموة ليكتب مذكراته ويختصر لها كل تلك السنوات الطويلة من العمل العام السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي الذي انتظمه خط واحد هو الشغف بالانجاز وترك البصمات عليه..
عرفت صاحب المذكرات لسنوات طويلة وقد عملت بمعيته حين كان رئيسا لمجلس إدارة صوت الشعب كواحدة من المواقع والمنعطفات المميزة في حياته ، وكان العمل معه كفيلا بالتعرف إليه ، فأنت تعرف “أبو فارس” من خلال العمل أكثر من أي موقع آخر، ففي العمل يكون واضحا ومباشراً وشاحذاً لطاقته وطاقات العاملين معه..
كنت حصلت على كتاب مذكراته “لم يفت الوقت” من صديق مشترك قايض هذا الكتاب بعد ان قرأه بكتاب من كتبي فكانت فرصة أن أقرأ مذكرات سامي قموة لأدرك مدى صوابية معرفتي به مقارنة بما قال عن نفسه أو بما ترك من انطباعات للسيدة التي كتبته..
‏لم تكن الكتابة عن صديقي سهلة لتدفق المعلومات وتشعبها ورغبته أن يكون قريبا من الناس ومن الحقيقة، فالرجل يكتب نفسه على الورق ليس لأنه يريد أن يصنع مذكراته ولكن لانه يريد أن يترك عبرة للأجيال الطالعة لتعرف ما كانت عليه الأحوال في منتصف القرن الماضي..
صاحب المذكرات كان جريئا ومندفعا وراغبا أن يقول كل شيء، وقد قال الكثير وحجب القليل ليس رغبة في الحجب أو اعتقالا للحقيقة أو المعلومة ولكن احتراما للآخرين الذين لم يشأ أن يزج بهم دون رغبة أو استئذان..
كثيرون يصبحون جريئين حين يموت الشاهد او يكتب من مكان بعيد لا يشارك القراء فيه، ولكن سامي قموة لم يفعل ذلك، فقد أحيا الشواهد وخاطب الأحياء ‏وأشهدهم ولم يحمل الراحلين وزر تقديم الشهادات إلا بنصوص باقية وشواهد راسخة..
تولى سامي قموة مناصب عديدة بعد أن تأهل بالدراسة في جامعات سمّاها جامعات النخبة، فقد نهل من العلم في الغرب ليدرك ان العلم هو إعادة بناء لشخصية الإنسان وليس استرقاق السمع وحشد المحفوظات في الصدر والذاكرة..
أميل إلى تصديق كثير من المحطات التي وقف فيها صاحب المذكرات بدرجة قول واحد حين يتحدث عن جهده الاقتصادي وعن الامتحان الذي عاشه بتولي حقيبة المالية في زمن حكومة الدكتور المجالي، ليعرب لأول مرة الجملة المشتركة بين القطاع العام والخاص ليضع سياقات ما زال أكثرها قائما، فقد ابتعد عن صناعة الذرائع التي صنعها من ابتلينا بفهمهم للاقتصاد حين فصلوا بين العام والخاص، وجعلوا القطاع الخاص “ضرة” منافسة كادوا لها حين كانوا على كراسي القطاع العام ، حتى إذا ما استبدلوا كراسيهم وانتقلوا إلى الحياة العامة يتولى مواقع في القطاع الخاص جلدوا القطاع العام بالسنة غلاظ شداد، وعاب عليه الكثيرون أن يحاسبهم احد وهم بين مد وجزر وصيف وشتاء لم ينجزوا شيئا سوى الرطانة والتنظير..
لقد مزج قموة بين القطاعين وخرج باكثر من نظرية لتجسيد الشراكه حين اعتبر ذلك ممكنا و جربه بنفسه..
لقد جاء إلى الوظيفة العامة العليا في الوزارة وحمل اكثر من حقيبة في ظروف صعبة وغاية في التعقيد، ولكنه خرج وقد أعلى البنيان و إقام مداميك واصل آخرون البناء عليها دون أن ينتقص بناء سليما..
لا استطيع أن اعرض في هذه الزاوية كل مذكرات قموة ولكنني استطيع أن أقول إنني استمتعت بقراءتها وإن الرجل اختصر ستين سنة ونيف هي عمر نشاطه في صفحات على الورق يحتاجها كل من عبر الدرب لمواصلة البناء..
مشاريع عديدة لم يستكملها صاحب المذكرات لأن المدافع كانت قوية، ولكنه وضع فيها حجارة الزاوية لمن يريد المواصلة وابقى الأبواب مفتوحة، فهو لا يؤمن بالمستحيل بل يؤمن بأن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وأن من سار على الدرب وصل، وأن لكل مجتهد نصيب..
والمذكرات تضيء لكل الأردنيين مرحلة صعبه تطل على الأحداث الكبرى التي مرّ الكثيرون عنها دون تعليل او نقاش..
رافق سامي قموة الكبار ورفقه كباراً أيضا ..عرف وصفي التل ووقف إلى جثمانه المسجى في القاهرة عندما اغتيل، وعرف حرب الخليج وصعوباتها حين كان وزيرا للمالية وكان عليه أن يتدبر و أن يجيب على أسئلة صعبة دون ضجيج..
آمن بالمواطنة وبالأخوة الصادقه فجرب صوم المسلمين في ولائم الإفطار التي كان يقيمها، وجرب كيف يتدرب صاحب الدين الاخر ليكون المعتقد جملة فيها المبتدأ والخبر، وليس الفاصلة او المنع من الإعراب..
كما آمن ببناء المجتمع المدني لانه يعتقد أن الجسم القائم على ثالثة الأثافي القطاع الخاص والعام والقطاع المدني (المجتمع المدني) الذي راهن عليه وشارك فيه أفضل من الجسم المستند على اثنين فقط..
كنا بحاجة إلى مثل هذه المذكرات لتضيء لنا مساحات ومسافات جديدة في التجربة الأردنية ، ففيها الكثير من العبر والدروس والأشجار المثمرة ،وهي بعيدة عن التجميل والأفتعال وقورة وغير متبرجة لا تدعي شيئا ليس لها، ولا تأخذ من حق غيرها بل تواصل العطاء للأجيال موظفة الكثير الكثير من المعطيات التي غفل عنها الكثيرون من كتاب المذكرات..
أطال الله في عمر صاحبنا ليبقى شاهدا على مراحل أخرى ومازالت تتوالى بصعوبة وما زال يستقبلها بابتسامته الهادئة..

شاهد أيضاً

المدن الصناعية الاردنية و”مدائن” العُمانية تبحثان التعاون المشترك

عروبة الإخباري – زار وفد من هيئة المناطق الصناعية العمانية “مدائن” شركة المدن الصناعية الاردنية …

%d مدونون معجبون بهذه: