الرئيسية / اقتصاد / آيلة .. الأمير “حنه بن رؤبة” يُلوح بيديه!!

آيلة .. الأمير “حنه بن رؤبة” يُلوح بيديه!!

عروبة الإخباري-  كتب سلطان الحطاب       

أحببت العقبة كمدينة وكموقع ورغبت أن أدرس تاريخها، ووضعت عنها كتابا رعته  شركة تطوير العقبة قبل اكثر من عشر سنوات ، وأوردت فيه العهدة المحمدية لأهل آيلة وهي العهدة الأولى التي يشهدها الرسول (ص) شخصيا لمن هم خارج الجزيرة العربية، حين وقع هذه العهدة بحضور عدد من صحابته  مع اسقف العقبة العربي الغساني أمير ايلة وقراها “حنه بن رؤبة” ، والعهدة نص جميل مختصر يكشف أهمية المكان ودوره في الجغرافيا والتاريخ ومستوى الاتفاق واحترام الأخر، والتأكيد على المفهوم المدني في العلاقات آنذاك، بل واحترام الآخر بغض النظر عن عقيدته الدينية.. وهذه العهدة هي أشهر من العهدة العمرية من حيث أطراف التوقيع عليها إلا ان شهرة العهدة العمرية جاءت كون القدس هي اعظم مدن الأرض مكانة روحية لكل الأديان…

 حبي للعقبة ورسالتها التي كرسها محبةً ودوراً الملك الراحل الحسين الذي أولاها عنايته واهتمامه الذي ورثه فيه وزاد عليه الملك عبد الله الثاني دفعني للمشاركة مع مجموعة من محبي العقبة لتشكيل “جمعية أصدقاء العقبة”  التي انجزت الكثير قبل ان يطويها النسيان بسبب تقلب الادارات على المدينة وجوارها ..

جاء “صبيح المصري ” للعقبة رجل وطني يحب ترك بصمات عميقة عليها، حين بعث فيها مشروعا ضخما  يحمل اسمها التاريخي (آيلة) الذي كدنا ننساه لولا انه بعثه من جديد ليطلقه على مدينة حديثة نقلت العقبة نقلة حضارية كبيرة حتى غدت  أجمل مدن ساحل البحر الأحمر…

 جاء صبيح المصري ليختار المكان ويطلق عليه اسم (آيلة) وهو اسم ابنة مدين ابن ابراهيم عليه السلام، وقد ولدت في المكان على البحر ليحمل المكان اسمها، وحيث سمى الإحتلال الإسرائيلي الجزء الذي احتله من خليج العقبة بإسم (إيلات) وهو مشتق من آيلة… و ايلات هي موقع ام الرشراس الفلسطيني الذي احتلته اسرائيل عام 1954 أي بعد النكبة بسنوات أربع..

 آيلة الأردنية الآن هي الأشهر والأجمل، ونفاخر بها فقد حملت الموروث التاريخي و احيته، لأن اسم العقبة حديث وبالكاد يتخطى المائة سنة وهو اسم الموقع قبالة العقبة في الجانب المصرى حيث يلتقي جبلان يطلان من سيناء على خليج العقبة وبينهما منخفض سمي العقبة لوعورة مسلكه الى البحر، ولذا كان اجدادنا يقولون “عقبة مصر” ..

 في المكان الذي أحياه صبيح المصري باستثماره الذي زاد عن مليار دينار للمراحل التي انجزت والتي مازالت برسم الانجاز، ولدت مدينة ورثت أخرى، ففي المكان وجدت آيلة القديمة وقد كشفت اثناء حفريات لبناء مشروع آيلة الحديث، وقد جرى احاطة الموقع بالرعاية عن طريق دائرة الآثار وحرص ابو خالد (صبيح المصري) على هذا المعلم التاريخي الهام الذي كشف عن وصول الملك سليمان النبي الذي قدم من اليمن بالبحر الى آيلة ليسك فيها دنانير ذهبية باسمه و قد كتب عليها ما يفيد ذلك…

هنا في هذا المكان الجميل ومع المحافظة عليه وعزله اقيمت فنادق انجز منها فندق ريجنسي الشهير المدهش بهندسته المتجانسة مع البحر والمكان، وجاء الابداع أن نقل البحر الى اليابسة ليتغلغل في ثنايا جسدها و يعيد تشكيل معالمها بدل أن تذهب اليابسة داخل البحر.. وهذه الخلجان وامتداداتها شكلت ساحلا إضافيا لما وفره البحر الأحمر في خليجه  من مسافات اذ بلغت شواطئ هذه البحيرات الاصطناعية ما يزيد عن 17 كم، ليصبح المكان لوحة بين الماء واليابسة جرى تشكيلها بألوان جذابة يلاحظها من يسكن في الطابق الرابع من الإطلالة على المارينا، وقد حظيت بذلك حين نزلت الغرفة 1454 لأتأمل لوحة نادرة الجمال…

 يستحق المصمم للمكان وأيضا من أشاده أعلى الجوائز والأوسمة، لأنه أعاد للعقبة وهجها التاريخي وتوجها اليوم بين المدن عروسا لا تنافسها عروس جمالا وأناقة ونظافة منذ بدء الدخول الى المشروع وحتى اخر متر فيه..

 اقمت في أيلة وفي فندقها يومين، وقد اطلعني مسؤول الميدان في ايلة النشيط الدكتور نضال المجالي على التفاصيل، وأحالني الى موقع ايلة لأطالع كل جديد، خاصة وأنني حضرت وضع حجر الأساس للمشروع حين كان المبدع سهل دودين قد بدأ عمله فيه ومازال، وقد كبرت ايلة معه وبادلها أن أخذ لونه الأسمر من جوها وهوائها وعشقها الذي لم ينقطع، لقد افنى المهندس سهل دودين عمره هنا وهو يدعي ان ذلك سر سعادته، فقد بدأت ايلة بحجر أساس وسط اشفاق الكثيرين بأن المشروع لن يتكامل حتى غدت مدينة مميزة تغمرها الحياة الرغيدة، وتنتصب لتقول إن هذا المكان كان في التاريخ وما زال في الحاضر شاهدا على حضارة هذه المنطقة وأهلها القادرين على المنافسة والإبداع منذ ركوب اجدادهم البحر وتواصلهم مع الحضارات…

 منذ حجر الاساس الذي ترافق زمان وضعه بتسلم الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية ولدت ايلة، وقد أصر صاحب فكرتها الذي استثمر فيها بسخاء ان تستمر رغم هبوب رياح الكساد والتعثر على المنطقة كلها، حيث اصيبت العديد من المشاريع بالتوقف او البطء ولكن صبيح المصري قبل التحدي وأصر على ان يضخ الحياة في الموقع مهما كانت الكلفة، وقد فعل دون تذمر أو لوم أو عتاب بل بقي قدوة وملهما للجميع الذين رأوا في إصراره وثباته ومواظبته دوافع لهم ليعودوا ويواصلوا ويستظلوا بنموذج ايلة…

 في المدينة فلل سكنية وشقق وشوارع جميلة وملاعب للغولف، هي الأولى في المنطقة كلها، وهناك برك السباحة المتعددة والبحيرات الاصطناعية بشواطئها التي تلامس عتبات البيوت، وكذلك الساحات والمتنزهات وهناك المارينا التي ترسوا فيها قوارب خاصة وأخرى سياحية ،وهناك نموذج عالمي لضخ الماء من البحر للبحيرات وتجديد الماء فيها بأساليب وتقنيات حديثة مدروسة على المستوى العالمي الرفيع…

 كانت أيلة الأسبوع الماضي تنبض بالحياة من خلال السياحة المحلية والإقدام الشديد عليها، إذ أن منع السفر  للخارج جعل الكثير من الأردنيين الذين لم يذهبوا إلى العقبة و لم يتمتعوا بجمالها يأتون اليها ليكتشفوا الجديد الجميل… ويعيشوا السياحة فيها بل وشراء الشقق والفلل في ايلة، وقد رأيت بعضهم هناك وقد استمتع بالسكن الجديد و تحول الى مسوق للموقع وداعيا له، وهو ما أكده لي رجل العقبة ومسؤولها الأول المتابع رئيس السلطة الباشا نايف البخيت الذي يضرب المثل على نجاح مشروع العقبة كمنطقة اقتصادية مميزة بذكر ايلة وما تعنيه من إنجاز يعتز به الأردنيون جميعا…

 لقد قطع الاستثمار في ايلة شوطا واسعا وما زال مستمرا ليدخل مراحله الأخرى إلى أن يستكمل المرحلة الثالثة في امتدادها الجغرافي الواسع والذي يشكل مساحة كبيرة من مساحة العقبة كلها …

فالموقع في شمال غرب العقبة مميز جدا.. وإطلالته جذابة سواء تلك التي تلامس البحر أو التي تذهب باتجاه معانقة الجبال التي ابتعدت لتفسح المجال لجغرافيا مرتاحة، تمتد إلى وادي عربة حيث يكمن التاريخ الذي بدأ يحتفي بالجغرافيا ويزودها بالمعرفة ويثير فيها حوافز الإبداع…

 ما بين وضع حجر الأساس لآيلة الذي شهدته واستمعت لشرح ابو خالد وهو يسير على الرمل العاري، وما بين إرتفاع حجر الأساس في مداميك أولية حيث ابلى المبدع المهندس سهل دودين في الترويج ..

تلك مسافة تزيد عن عشر سنوات والى يوم أمس حيث استمعت لنضال المجالي عن الدور الذي يقوم به المشروع في خدمة العقبة وأهلها وروادها، فقد كان منخرطا في يوم لتنظيف البيئة البحرية في الغوص تحت الماء في مشهد لا يكون إلا في العقبة…

 تلك أيام طويلة مملوءة بالإنجاز والعرق والكفاح، فهؤلاء وأمثالهم وضعوا الأردن على خريطة التحضر والمنافسة لتظل راياته خفاقة وتوجهات قائده تحصد الإنجاز…

ayla55

ayla-aqaba556

ayla-sbeh-l4

shl-doden2

شاهد أيضاً

الهجرةُ لأورشليم.. ونعمٌ بأثرٍ رجعيّ.. بقلم: وصال أبو عليا *

رحم الله الأديب السوداني الطيب صالح الذي صقل شكلا للوطن في كتاباته سيما موسم الهجرة …

%d مدونون معجبون بهذه: