الرئيسية / مقالات مختارة / الدكتور عزت جرادات يكتب عن خطة ترامب

الدكتور عزت جرادات يكتب عن خطة ترامب

د. عزت جرادات

* نتذكر وعد بلفور المكوّن من (67) سبع وستين كلمة وحمل معه آلام قرن من الصراع الصهيوني/ العربي، فماذا ستحمل لنا خطة ترامب المكوّنة من (42844) كلمة من مآس وآلام … وإلى متى؟

* وترويجاً لخطته، فقد زُينت بعنوان جاذب، ولكنه أشبه بأسماء الأضداد ما بين العنوان والمضمون:

فسميت:

السلام من أجل الازدهار

رؤية لتحسين حياة الشعبيْن

الفلسطيني والإسرائيلي

*لقد اشتملت الخطة على قسميْن:

الأول: الإطار السياسي، وجاء مقتضباً، ولكنه محشوٌّ بالسم الزعاف.

والثاني: الإطار الاقتصادي، وجاء مفصلاً: أهدافاً ومشاريع بلغت (179) ماية وتسعة وسبعين مشروعاً لتطوير البنية التحتية بمكوناتها، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وبتمويل مقداره (50) خمسين مليار دولار، هبات وقروضاً، تنفق خلال (10) عشر سنوات، تستفيد منها: الدولة الفلسطينية (27.3) مليار، والأردن (7.3) مليار ومصر (9.1) مليار، ولبنان(6.3) مليار.

*أما الدافع لإعلان ترامب لخطته، فيدعي أنه أدرك أن ثمة أكثر من (700) سبعماية قرار للأمم المتحدة، وأكثر من (30) ثلاثين قراراً لمجلس الأمن الدولي، ولكنها لم تنجح في حل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، وربما لم يخبره أحد أن (الفيتو) الأمريكي كان بالمرصاد، وقرر أخيراً أن:

” دول المنطقة لن تعيش في صراع ابدي… فأصبح لا مناص من الحل الاستشرافي الذي يقوم على عنصرين:

تحسين الحياة، وتحصين الأمن وفي الوقت نفسه، أعرب عن أسفه لضرورة أن تقوم إسرائيل بالتضحية المؤلمة للتنازل عن بعض أراضي الأجداد من أجل التعايش مع دولة للفلسطينيين… وفق هذه الخطة…

فتبياً على هذا الفهم السقيم!

جذور الخطة:

*ترجع جذور الخطة إلى عاميْ (2003) و (2004)، حيث قدم على التوالي:

-رئيس الجامعة العبرية (يوشع بن آريه) خطة لتبادل الأراضي لتحقيق السلام.

-ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي (جبيورا ايلانك) خطة أكثر تفصيلا لتسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. وحسب (معاريف)، فقد سلم (نتنياهو) هاتين الخطتيْن إلى المرشح الرئاسي (ترامب)، فتمخض لاحقاً وخرج (بصفقة القرن) بعد عمل فريق متواصل منذ (2017) حتى إعلانها (28/1/2020م).

*محتوى الخطة:

-في تقديري، أن محتوى خطة ترامب قد أصبح معروفاً لكل قارئ حرف، حيث نشر عنها العديد ما يكفي، في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ولذا، فأنه ولغاية المناقشة والتحليل، يمكن إيجاز المحتوى ثمانية بنود أساسية وموجزة:

  1. القدس : عاصمة إسرائيل وغير مقسّمة.
  2. إيجاد قدس بتسمية جديدة تشمل شريحة من الشمال والشرق للجدار المحيط بالقدس، عاصمة لدولة فلسطين.
  3. الأماكن المقدسة في القدس تحت الوصاية الأردنية وبسيادة إسرائيلية، ويسمح بالوصول إليها للجميع، مسلمين ومسيحيين ويهود، وإقامة صلواتهم فيها.
  4. المستوطنات جزء لا يتجزأ من إسرائيل وترتبط معها بشبكة مواصلات آمنة، ويتوقف النشاط الاستيطاني لمدة أربع سنوات، مرحلة التنفيذ.
  5. وادي الأردن سيكون تحت السيادة الإسرائيلية.
  6. الدولة الفلسطينية( في الضفة وغزة) منزوعة السلاح وتتصلان بجسر هوائي أو نفق ارضي.
  7. لا عودة للاجئين إلى دولة إسرائيل وتوضع خطة أخرى لتوطين اللاجئين حيث هم، أو في الأقطار العربية والإسلامية بمعدل (50) خمسين ألف شخص ولمدة عشر سنوات.
  8. الاعتراف المتبادل: إسرائيل دولة للشعب اليهودي، والدولة الفلسطينية للشعب الفلسطيني.

* نظرة تحليلية:

– من المعلوم إن ثمة قضايا مؤجلة للمرحلة النهائية في عملية التفاوض، وهي قضايا:

– القدس حق العودة والتعويض، المستوطنات، الأمن والحدود.

-بدأ (ترامب) بها قبل إعلان الخطة، فعلا وقولا:

– فاعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها.

– عمل على تجفيف مصادر التمويل للأونروا، لتحويل قضية اللاجئين إلى الهيئة الدولية للاجئين.

– بارك لنتنياهو اتخاذ الخطوات لضم المستوطنات وغور الأردن.

* يمكن القول، إن الإجراءات التنفيذية القادمة، بقرارات أمريكية أو إسرائيليــــــــــــــــة تقع تحت عنوان ( الاتفاق الصهيو- أمريكي) الذي يمثل انقلاباً على السياسة الدولية، وتحدياً لقرارات الشرعية الدولية.

* ذهب البعض إلى أن ثمة عناصر إيجابية في الخطة، ويمكن البناء عليها ، مثل جلب (50) خمسين مليار كمتطلب تنفيذي لإنجاح الخطة، وتوقف عمليات الاستيطان لمدة أربع سنوات، والالتزام بعدم تهجير إي مواطن من فلسطين ، والوعد  بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بشروط.

* إن هذه مزاعم زائفة: فالتمويل غير محدد المصدر، وحياة الفلسطينيين شاقه وقاسية مع الحواجز المرهقة، كما إن فترة الاختبار للحكم الذاتي الفلسطيني خاضعة لإصدار شهادة حسن سلوك أمريكية، وفق معايير الديمقراطية والشفافية والأمنية من وجهة نظر أمريكية، للانتقال إلى مسمى ( الدول الفلسطينية) فعن إي عناصر ايجابية في الخطة يتحدثون أو يزعمون!!

الخطة في الميزان السياسي:

  • لقد عبر سياسيون أمريكيون عن رفضهم للخطة: فقد أعلن الرئيس الأمريكي السابق، كارتر، أن الخطة تنتهك القانون الدولي، ودعى الأمم المتحدة لتمنع إسرائيل من تطبيق بنودها.
  • أما (آرون) المفاوض الأمريكي السابق فأعلن أن الخطة جاءت ميّتة وفاشلة لا محالة، لتجاهل صاحبها (ترامب) أهمية الطرف الثاني في النزاع وهو الطرف الفلسطيني.
  • وهذا (مارتن انديك) مبعوث السلام الأمريكي السابق، يصف الخطة بأنها (لعبة هزيلة من بدايتها إلى نهايتها، ولن تكون خطة للسلام).
  • أما (ترامب) وحده، فقد انفرد في مدح خطته، فهي مختلفة عما سبقها وتؤدي إلى تحقيق (دولة فلسطينية) ويتابع : (أنه أتى بما لم يستطعه من سبقه من الرؤساء).
  • ولم يسمع (ترامب) أي مديح سوى من (نتنياهو) المزهوّ بالخطة، فوصفه (بأعظم صديق لإسرائيل) وقدّم لها أكثر مما توقعته إسرائيل.
  • ونقف مع مواقف بقية أعضاء اللجنة الرباعية (المجمّدة ذاتياً):
  • فأعلن الأمين العام للأمم المتحدة استعداد المنظمة لمساعدة الطرفين للتوصل إلى سلام قائم على قرارات المنظمة والقانون الدولي، والاتفاقيات الثنائية وحلّ الدولتين.
  • وأعلن الاتحاد الأوروبي التزامه بتسوية تقوم على أساس (حلّ الدولتيْن) وفق المعايير الدولية المتفق عليها.
  •  أما روسيا، فتجاهلت الخطة، ودعت طرفي النزاع للدخول في مفاوضات جادة للتوصل إلى (تسوية مقبولة للطرفين).
  • – وهكذا أصبحت الخطة معزولة سياسياً.

تداعيات الخطة:

* إن القراءة المتعمقة في وثيقة الخطة (172) صفحة، وآلية تطبيقها يمكن إن تؤدي إلى الاستنتاج ( بأن الولايات المتحدة الأمريكية) تملي على دول المنطقة القيام بأدوار محددة، وتربط أمن المنطقة ، بأمن إسرائيل، وتهيء المنطقة للتعايش مع (عصر إسرائيلي)، وتذكر برؤية(شيمون بيريز) في كتابه ( الشرق الأوسط الجديد) قبل ثلاثين عاما، حيث افترض إن الهيمنة على الشرق الأوسط ليست بالضرورة إن تكون عسكرية، بل تعتمد : الهيمنة الاقتصادية، والقيادة التكنولوجية ، وتنقية مناهج التعليم من اتجاهات الكراهية والعداء وتوجيهها نحو ثقافة السلام ( أو ما يطلق عليه التطبيع)وهذا ما تتضمنه وثيقة الخطة برؤيتها السياسية والاقتصادية أما تداعيات الخطة، إذا ما فرض تطبيقها، فيمكن أن تؤدي إلى الرؤى الافتراضية التالية:

* أمريكيا: سيظل دور إسرائيل ، فاعلا ام راكداً مرتبطاً بالإدارات الأمريكية المتغيرة وبذلك تكون إسرائيل ( الوكيل الشرعي ) للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

-العلاقات العربية والإقليمية الإسرائيلية:-

–     تشجع الولايات المتحدة الأمريكية تسونامي التطبيع العربي مع إسرائيل، بإقامة شراكات اقتصادية إقليمية في مجالات التجارة الحرة والسياحة الإقليمية، واندماج إسرائيل في المنطقة عبر (الجسر البري) من الحدود الإيرانية- العراقية وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط.

-تؤدي الخطة بالضرورة، إلى ثلاثة أمور:

–     الاعتراف المتبادل: دولة إسرائيل لليهود، ودولة فلسطين للفلسطينيين… باعتراف عربي- إسلامي رسمي.

–     إعلان إنهاء النزاع: العربي- الصهيوني.

–     شرعنة الاعتراف المتبادل، وإنهاء النزاع بصدور قرارين: مجلس الأمن الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة.

–     تؤدي تصفية قضية اللاجئين إلى أحداث تغييرات في النسيج السكاني في البلدان العربية المضيفة للاجئين، إذا ما فرض التوطين على المنطقة؛ كما ستكون ردود فعل اللاجئين الرافضة لذلك عنيفة ولا تعرف نواتجها على استقرار المنطقة.

–     يؤدي موضوع اللاجئين الفلسطينيين إلى إثارة موضوع اليهود الذين اهجروا أو طردوا أو هاجروا) من الأراضي العربية من حيث التعويض والممتلكات.

–     على الساحة الفلسطينية – الأردنية:

–     إذا ما أقيمت (دولة فلسطين) حسب (الخريطة المفاهيمية) فإن ذلك يتطلب إعادة رسم الحدود بما يلبي حاجات إسرائيل الأمنية على حساب الأراضي الفلسطينية المحتلة.

–     يجب أن تحترم جميع الأطراف حرية الوصول إلى جميع المواقع الدينية لجميع الأديان، وضمان حقوق الزيارة والعبادة فيها، مع مراعاة أوقات الصلاة لكل دين وهذا يعني الاحتلال الزماني للاماكن المقدسة.

–     التدخل الإسرائيلي مع الدول العربية المعنية لتحسين وضع المعبار للفلسطينيين، وتمكين دولة فلسطين لإنشاء ميناء خاص في العقبة وإدارته تحت السيادة الأردنية، وكذلك الأمر في مينائي حيفا واسدود الإسرائيليين، وشمال البحر الميت بسيادة إسرائيلية.

-عالمياً:

– تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تأسيس :

       -صندوق اللاجئين الفلسطينيين.

       -صندوق تطوير البنية الأساسية.

       -صندوق الإيداع لصفقة السلام.

وتحث الدول على دعم هذه الصناديق، وبذلك تتحرر وإسرائيل من تحمّل أعباء سوء أفعالهما.

  • وأخيراً إزاء هذه الغطرسة الصهيو- أمريكية، وفقدان قوة الردع العربية، وهشاشة التضامن العربي- الإسلامي والرمادية في السياسة والدبلوماسية العربية، وغياب الصوت العربي الشعبي الرافض للخطة، فأن الخشية إن تفقد الأمة حاسة الاتجاه والإحساس بالخطر المستقبلي، وتترك القضية فريسة سائغة، فيتم تنفيذ الخطة بتنسيق صهيو – أمريكي بالطريقة الكيسنجرية، إي (قطعة – قطعة) فيفرض أمرّ واقع على الأرض، وتصبح الخطة (حدثاً تاريخيا في التكوين المستقبلي للكيان الإسرائيلي فأين المذكرات بالتوقيعات المليونية من كل بلد عربي وإسلامي إلى المنظمة الدولية والى الكونغرس الأمريكي والى ترامب نفسه، ترفض هذه الخطة بكلمتين (لن تمر)
  • * إن السد المنيع إمام ذلك التسونامي الصهيو- أمريكي هو صمود الشعب الفلسطيني على أرضه الذي أنهى بصموده عصر (الرعب والهجرة والتهجير)
  • فالأعاصير والريح الصرصر العاتية لم تقتلع النخل من جذوره وأرضه،، فقد أعلن الشعب الفلسطيني، أني حل ، بالخطة (لن تمر)
  • فأعداؤنا منذ أن كانوا …. صيارفة
  • ونحن منذ هبطنا الأرض… زرّاع

شاهد أيضاً

الحلالمة .. “فرماكم بي”!!

عروبة الإخباري – كتب سلطان الحطاب      عندما قرأت عبارة “لا يكون الإفراج عن …

%d مدونون معجبون بهذه: