الرئيسية / ثقافة / د. أبوحمور: قوة كل أمّة تقاس بما قدمته في ميادين الحضارة والإبداع وبما فيه الخير للإنسانية

د. أبوحمور: قوة كل أمّة تقاس بما قدمته في ميادين الحضارة والإبداع وبما فيه الخير للإنسانية

عروبة الإخباري – ألقى أستاذ الاتصال والإعلام د. عصام سليمان الموسى محاضرة في منتدى الفكر العربي، مساء يوم الأحد 5/5/2019، بعنوان “إعادة كتابة التاريخ العربي في ضوء النظريات الحديثة – الورق العباسي نموذجاً”، تناول فيها وفق نظريات الاتصال الحديثة دور العرب العباسيين في تطوير صناعة الورق الذي يعد من وسائل الاتصال في العصور القديمة، وأثر ذلك على نشر المعرفة والعلم والثقافة في العالم وعلى عوامل النهضة الأوروبية، كما شأن المطبعة والإذاعة والتلفاز وصولاً إلى الكمبيوتر والهواتف الذكية في العصر الحديث.

عقبت على المحاضرة أستاذة التاريخ والباحثة د. هند أبو الشعر عضو منتدى الفكر العربي، وأدار اللقاء وشارك فيه الأمين العام للمنتدى د. محمد أبوحمور، الذي أشار في كلمته التقديمية إلى أن الدعوة لإعادة كتابة التاريخ العربي واكتشاف جوانب جديدة من دور العرب وإسهاماتهم الحضارية، تأكيد بأن هذا التاريخ لا يزال حياً ومتفاعلاً ومؤثراً في وعي الوجود الحضاري للإنسان العربي، وفي تحديد هويته، وإبراز تراثه، كما أن النظر في التاريخ من باب فهم كيفية التطور، يحمل فوائد جمّة في دراسةعوامل القوة والازدهار، وأسباب الضعف والتراجع أيضاً في مسيرة أي أمّة.

وأضاف د. أبوحمور أن هدف الإنسان من معرفة التاريخ والبحث فيه، هو جزء من الرسالة التي تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، بهدف الحفاظ على تراثها وهويتها، وأيضاً على وجودها واستمرارها، فالماضي ليس مرحلة مرَّت وانتهت وانقطع الاتصال بها، وإنما هي متصلة بالحاضر كما يتصل الماضي والحاضر بالمستقبل. والاعتزاز بالوجود يأتي من هذا التواصل بين المراحل التاريخية والأجيال، وأن قوة الأمة تقاس بما قدمته في ميادين الحضارة والإبداع وبما فيه الخير للإنسانية.

ومن جهته أوضح د. عصام الموسى أن من أهم وسائل الاتصال التي ما نزال نستخدمها الورق. وقليلون يعرفون أن الورق طوّره العباسيون. وكانت البداية حين أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور(754-772م) باستخدام الورق بدل البردي، فازدهرت صناعته. وكان العباسيون قد فتحوا سمرقند عام 751م، ومن الأسرى الذين وقعوا بأيديهم، كانت ثلة تعمل في صناعة الورق الذي يرجع في أصل صناعته للصينيين. وقد طلب الفاتح العربي من هؤلاء الاستمرار بصناعة الورق، وهذه كانت سياسة تبناها العرب الفاتحون في أي مكان وصلوه.

وأشار د. الموسى إلى أن العرب طوروا صناعة الورق، وانتشرت مصانع الورق في بغداد أيام حكم الخليفة هارون الرشيد، فازدهرت صناعته وتعددت أنواع الورق المصنوع، كما بُنيت له مصانع في أرجاء الامبراطورية العربية حيثما توفرت المياه بغزارة. وظهرت نتيجة ذلك نهضة فكرية غير مسبوقة بتاريخنا، وقيل إن الأمة العربية صارت حينذاك أكثر أمّة مثقفة في ذلك الزمان. وكان العائد الاقتصادي على الدولة عالياً اذ أصبح تجارة رابحة. وفي عهد المنصور ظهر أول كتاب مصنوع من الورق عام 770م.

وأشار د. الموسى إلى أن الورق بقي في الاستخدام طيلة 12 قرناً، حتى أيامنا هذه، مروراً بعصور الاتصال المختلفة: عصر الطباعة – الذي يعرف بعصر الاتصال الجماهيري، وعصر الاتصال الإلكتروني، وعصر الاتصال الرقمي؛ بل إن الورق أسهم إسهاماً فعالاً في تطوير المطبعة، وبالتالي قدوم عصر المطبعة والطباعة. وتواصل استخدامه أيضا إبان العصر الإلكتروني الذي شهد قدوم المذياع ثم التلفاز، وصولاً إلى العصر الرقمي، الذي يعتبر بيل جيتس وستيف جوبزمن رواده الرئيسيين. ومثل العرب طور جيتس الكمبيوتر وحوّله من آلة حاسبة إلى آلة كاتبة ذكية، كما حوّل جوبز الهاتف العادي إلى هاتف ذكي.

وقال د. الموسى: إن معظم كتب التاريخ العربي، وخاصة تلك التي تتحدث عن العصر العباسي، تتجاهل قرار أبو جعفر المنصور بالتحول لصناعة الورق، كما تتجاهل شرح الأثر المعرفي الذي جاء به هذا القرار الاستراتيجي للخليفة العباسي الثاني، بل إن قراره ينبيء عن خليفة بعيد النظر يستحق أن يطلق عليه فعلاً مؤسس الدولة العباسية.

وأضاف أنه لو استوعب المؤرخون العرب النظريات الحديثة، ومنها نظريات الاتصال، لفسروا لنا تاريخ الدولة العباسية من منظور مختلف، قائم على أساس تفوّق العصر العباسي على الأموي بتطوير صناعة، لم يستفد العرب منها فحسب بل واستفاد منها العالم كله، واستمر الناس في استخدامها حتى يومنا هذا، ووفرت لنا ورقاً رخيصاً، وكتباً، وكان من نتائج صناعته ظهور حركات فكرية، وظهور بيت الحكمة، الذي يعدأول جامعة عربية. كما أن أوروبا اعتمدت الورق في نهضتها فطورت المطبعة التي طبعت عليها الكتب العلمية والأدبية، وجاءت مع ذلك الصحافة،وجميعها سبباً رئيساً في نهضة أوروبا؛ داعياً لكتابة التاريخ العربي من منظور جديد.

وقالت د. هند أبو الشعر في تعقيبها على المحاضرة: هناك حاجة لتغيير ثوري في منهجية الذين يدرسون التاريخ ويكتبونه في الوطن العربي، كما أن هناك حاجة إلى عقلنة التوجهات، لأننا في زمان يحتاج لغربلة الفكر من آثار التطرف وإعادة كتابة التاريخ بموضوعية وعقلانية وبمنهجية تتناسب مع التطورات في عصر الثورة الرقمية.

وقالت د. أبو الشعر: إن د. عصام الموسى يطرح محوراً جديداً وحياً ، يربط بين الحدث التاريخي المحوري بدخول مادة الورق إلى قلب الدولة العباسية في العصر العباسي الأول، وبين الأثر الحضاري لهذه المادة على الحضارة العربية الإسلامية. ومن هنا ، فإن الخصوصية تأتي من المحور أولاً ، ومن تناوله من أستاذ متخصص في علوم الاتصال والمعلوماتية ثانياً ، ومن طرحه في منتدى فكري بين حضور من النخبة ثالثاً، وأرجو أن يكون لمثل هذا التوجه حضوره المستقبلي ، بتناول غير المختصين في التاريخ لموضوعات تاريخية من وجهة نظر مختلفة ، وخاصة موضوعات معاصرة ومنها تاريخ المعلوماتية والاتصال وهو ما نفتقده في الدراسات التاريخية التقليدية، وهذه مسألة منهجية لا بد من طرحها على أقسام التاريخ في جامعاتنا العربية التي تدور فيها الدراسات والأبحاث ورسائل الطلبة في الدراسات العليا في إطار تقليدي رغم أننا في عصر الثورة الرقمية التي تجاوزت كل التوقعات.

شاهد أيضاً

يا عنب الخليل للشاعر عزالدين المناصرة • سعيد السالم

يا عنب الخليل  – للشاعر عزالدين المناصرة منشورات – دار العودة – بيروت، 1968 سعيد …

%d مدونون معجبون بهذه: