الرئيسية / مقالات مختارة / تعرف مع مين تحكي؟!!! / أ.د. عايد خوالدة

تعرف مع مين تحكي؟!!! / أ.د. عايد خوالدة

سؤال درج على ألسنة البعض في مجتمعنا ظاهرهُ استفهامٌ وباطنهُ إشعارٌ واستشعارٌ بالعظمةِ والهالة والهيبة حينما يكون متلقي السؤال خالي الوفاض عمن
هو أمامه، ولقد قاد هذا السؤال إلى إحداث ظاهرة عج بها مجتمعنا في الآونةِ الأخيرة، فالحوادثُ تترى، وفتيلة المشكلة سؤال استفزازي مفاده “إنت بتعرف مع مين تحكي؟!!”
وغالباً ما يكون هذا السؤال عقدة المسرحية التي تبنى عليه أحداثها، فبطل المسرحية قد يكون مسؤولاً ما أو حاشيته يلوحون بهذا السؤال في وجه الضحية الذي قد يكون مواطناً بسيطاً وهو كذلك في أغلب الأحيان، فتتلاقى الأضداد على مسرح الحدث مركبة فارهة مسؤول متجشم وحاشية متنمرة تعيش حالة من تضخم الأنا مستمدة من نفس المسؤول الذي تعمل معه وتسير في ركبه، وعلى الضفة الأخرى من مسرح الحدث مركبة قديمة متهالكة، إنسان بسيط، ينظر بعين الشفقة والرحمة، يبدو عليه علامات البؤس والفقر والحرمان.
ومن ثم تبدأ الأحداث بالتحول نحو الصراع بين شخوص هذه القصة، فإذا كان المسؤول محترماً لذاته، مدركاً حجم مسؤولياته، ذائداً عن سمعة موقعه، محافظاً على مكانته، حذراً في أن يستجلب الإهانة لمكانته، سرعان ما يتدخل، ويرفع شاخصة الاعتذار حتى لو لم يكن مخطئاً لأنه يدرك أن الاعتذار هو العطر الجميل الذي يحول أكثر اللحظات حماقة إلى هدية جميلة، فمن ركب مطية الاعتذار واجتنب خطيئة الإصرار فقد خرج من تبعة التقصير وبرئ من عهدة المعاذير، فيعذر ويقبل العذر لم لا والعذرُ عند رسولِ الله مقبول، مثل هؤلاء المسؤولين تربوا على قيم مجتمعنا الفريدة المستمدة من إرثنا الفكري والديني فكما يقول الشاعر البدوي:
ما هو بعيب تعتذر عن سواياك العيب والله صدتك وانت مخطئ
فدية الذنب في عرفنا النبيل الاعتذار:
قيل لي قد أســـــــــــى عليك فلانـــاً ومقام الفتى على الذل عــــــــــار
قلت قد جاءني معتذراً وأحدث عذراً دية الذنب عندنا الاعتــــــــــــــذار
يدرك هذا المسؤول أنه لا شيء يستطيع أن يحقن في أوردتك جرعات من الود كما يفعل سلوك التواضع والتصرف بعفوية وبساطة بعيداً عن مكياج الأهمية الكاذب والادعاء والتصنع وربما الشعور المبتذل بالعظمة وغالباً في مثل هذه الحالة تسدل ستارة المشهد على حالة من الحب والتراضي والتسامح.
أمَّا إذا كان المسؤول يعاني من تضخم الأنا يرى نفسه كبيراً بموقعه لا يرى موقعه كبيراً به فإنه والحالة تلك مصاب برمض عافاني وعافاكم الله منه، وهو معدٍ، بشكل خطير وأول من يصاب به هم حاشيته لأن سلوك الحاشية في كثير من الأحيان عنوان لسلوك من يعملون بمعيته الذي يعزز فيهم روح التكبر والغرور والتعالي على الناس، فهو ينظر للناس كالذي وقف على جبل يرى الناس صغاراً ويرونه صغيراً، فقد حق القول فيه “خير الدقيق من المناخل نازل – وأخسه وهي النخالة تصعد” فيغيب عن مسرح هذه الأحداث “الاعتذار” وتتجلى صنوف الإصرار والغرور، وتأخذ ديكة المشهد بالصياح لأن المغرور ديك يعتقد أن الشمس تشرق في كل صباح كي تستمتع بمهارته في الصياح كما يقول المنظرون في أدبيات الغرور إن كان له أدبيات، وبذا يفتح المسؤول وحاشيته الباب على مصراعيه لسيل من الاتهامات والإساءات له ولحاشيته ولمؤسسات الدولة برمتها، ويدفع ثمن ذلك بعد انتشار الخبر، ويميل إلى التبريرات التي غالباً ما تأتي في غير وقتها والتي تجاوزت لحظة اغتنامها الحقيقة فما “لات حين مناص” بل سبق السيف العذل.
وتقتضي عدالة التحليل للمشهد بكل حيثياته أن تقف عند الطرف الآخر من أطراف الصراع ألا وهو المواطن البسيط الذي غالباً ما يكون الطرف الأضعف في معادلة الصراع تلك، فمنهم من يتعامل مع الحدث بمنتهى الموضوعية والدماثة والخلق والأدب، ولا يسعى إلى تأجيج الموقف، ولا يقبل إظهار حالة من الضعف والاستكانة بل يبدو متزناً قوياً عقلانياً، فيعتذر إن كان مخطئاً وبذا ينتزع فتيلة إشعال وتجديب المشكلة ويقبل العذر إن كان الخطأ قد وقع بحقه، وبذا يحفظ ماء وجهه وكرامته ولا يدع ثغرة للآخرين للدخول منها واستضعافه “فالذئب – كما يقولون – يعرف طارده” وبذا يتحقق فيه الصورة الثانية من قول الشاعر النبطي:
أحدٍ قبل تخطي يقول الخطا مــنك والعذر مهما كان ما هو مقبــــول
واحد قبل لا تعتذر يعتذر عنـــــك ويقولك معذور لو كنت مـــسؤول
وعلى الصعيد الآخر فمن الناس من يجد هذا الحدث فرصةً ثمينة منذ اللحظة الأولى، فيتمادى في إظهار الضعف والاستكانة، ويتلذذ في ذلك، وربما يسعى إلى استفزاز من يمارسها عليه حتى يتمادى في ذلك، ويسعى إلى استجلاب حالة من العطف والشفقة لكل من يشاهده وربما أنه يكون حريص في هذه اللحظة على تصوير وتوثيق الأحداث والمتبرعون عبر وسائط التواصل الاجتماعي كُثر لأنه سيعمل على منتجة هذا العمل بالطريقة التي تكفل تعاطف كل من يشاهده أو يراه في هذا الموقف وأنه سيكون بطلاً للمسرحية في ختامها وسيلقى دعماً كبيراً وسيبرز بروزاً جلياً، ولأنه سيحيل الصراع فيما بعد من إطاره الشخصي إلى إطار مواقعي أوسع، المسؤول وحاشيته المتزنرون بسيف السلطة، والمواطن الذي حتماً سيتزنر بسيف العترة والعشيرة، وبذا يحظى بالحفاوة والاهتمام، وسيتحدث باسم أهله وناسه وسيصبح الخطأ بحقه خطأ وتعدٍ مقصود على العشيرة برمتها، وستنهال عليه الاتصالات من كل حدب وصوب وسوف يصبح ناطقاً رسمياً باسم أهله وعشيرته، ويتسابق إليه متسولو الصحافة وأصحاب الأجندة الخفية لتصبح القضية ليست خلافاً بين أشخاص وإنما قضية للرأي العام.
وبعد انتقال الحدث إلى مسرح التحليل تبرى الأقلام للتحليل على اختلاف ألوانها وأشكالها ومدادها ونواياها ومشاربها وغاياتها، فمنها أقلام عفوية أخذها المشهد بهالته الأولى أخذاً عاطفياً لتجسيد مظلومية الضحية واقفة عن حدود المشهد وإيحاءاته النفسية فقط، ومنها أقلام غضة تعمل على “مكيجة” المشهد ليكون سبقاً صحفياً لها غايتها الترويج لمواقعها المهملة وجلب أكبر عدد من القراء، ولكن الأخطر من كل ذلك تلك الأقلام المسمومة المأجورة التي تسعى إلى صب الزيت على النار، وتوسيع دائرة الحدث وتعميم الإساءة، غايتها الترويج لأجندة تعمل عليها ليل نهار، ضاربة مصلحة الوطن وسمعته وسمعة أهله عرض الحائط، مغتنمة حالة عدم الرضا والضنك الذي يعيشه بعض المواطنين لتصبح المسألة نداً إلى ندٍ “الشعب والدولة” وكأنما هذا المسؤول وكذا حاشيته سلكوا هذا السلوك بفرمان من مواقعهم، وفي الحقيقة قد يكون الأمر تصرفاً فردياً أرعن فليس المسؤول ولا حاشيته بمعصومون عن الخطأ وهي أمور طبيعية وحراك وصراع اجتماعي إذا ما قورنت بالحوادث التي نشهدها كل يوم في شوارعنا من صراع بالأيدي والهروات وربما استخدام السلاح أحياناً والشواهد كثيرة ولكن “وراء الأكمة ما وراءها”.
ولكن المتأملين الحصيفين وهم كثر في مجتمعنا والحمد لله – يدركون ما ترمي إليه تلك الأقلام المسمومة والمأجورة فهي تسعى إلى تشويه المشهد المجتمعي برمته، وتسعى إلى خلق حالة من العداء والقطيعة بين الشعب ومؤسساته، وتحميل من يتسنموا المواقع في مؤسسات الدولة إلى غرباء عن المجتمع وفي الحقيقة هم أبناؤنا ومن رحم هذا المجتمع فإن كانت سلوكاتهم إيجابية فهي نتاج إرثنا الفكري وتربيتنا الفريدة وإن كانت على العكس من ذلك فهي كغيرها من سلوكاتنا النشاز التي نحن كمجتمع وبمؤسساته المختلفة مسؤولون عنها لكن هؤلاء ينظرون للأمور تارة بمرايا محدبة وأخرى مقعرة.
فما دعاني إلى كتابة هذه السطور، أن هذا المشهد حدث لي، “فعرفت مع مين أحكي”، “وسأقول لكم مع من كنت أحكي” قبل بضعة أيام كنت أستقل سيارتي ومعي أسرتي، في الشارع المقابل لبوابة الجامعة الأردنية، وإذا بسيارة تتجاوزني وقد لازمتني واصطدمت بسيارتي وتخطفت مرآتها، فاصطففت إلى يمين الشارع وكذا الحال بالنسبة للسيارة الأخرى، إذ أحالها سائقها إلى اليمين وتوقف أمامي، فترجلت وترجل معي أولادي على عجل يملؤنا الغضب وفي الحال ترجل صاحب السيارة الأخرى ولكن الغريب في الأمر أنه قابلنا بابتسامةٍ رافعاً يديه وما أن وصلنا إليه إلا وقد احتضنني معانقاً عناقاً فيه شيء كثير من الدفء والود وهو يردد عبارات لم أسمع من بينها “تعرف مع مين تحكي” بل قال بمنتهى اللطف والأدب والدماثة حمداً لله على سلامتكم حمداً لله على السلامة، ساعتها أدركت عظم خلق هذا الرجل، ولم أستطع أن أنبس ببنت شفة كما يقولون، وأمرت أولادي بأن يصمتوا، وبادرني بالقول أنا كلي أسف لما حدث، وأنا جاهز وبأمرك بما تريد، فعجبت لأمره، وتأملت محياه، الذي هو مألوف لدي، فباشرته القول، ألست معالي أبو …. فقال نعم أبو صالح ممدوح العبادي، فقلت له مازحاً، ولمَ لم تقل لي بتعرف مع مين تحكي؟! فقهقه قائلاً: تحكي مع أخوك وحبيبك فاوالله أخجلني ذاك التواضع ودماثة الخلق فكأنما قال لي ما قاله الأبرشي:
هبني أسأت كما زعمت فأين عاطفة الأخــــوة
أو أن أسأت كما أســأت فأين فضلك والـــمروة
فأحالني هذا التعامل من دائن إلى مدين، وأخذت أفكر كيف أردُّ هذا الاعتذار الجميل باعتذار أجمل، فأخذني من يدي وسرنا باتجاه سيارتي، أخذ يداعب ابنتي الصغيرتين سندس وسلسبيل، ويرتب على أكتافهما ويمسح برؤوسهما، فبادر ليث ابني وقد دفعته حمية الموقف إلى دلة القهوة العربية في السيارة، وصببنا القهوة، وشربنا معاً، وسألني ابني أحمد ببراءة وماذا يعمل أبو صالح فقلت ماذا أقول لك يا أبت هذا الذي قال في زمن التعري “أي بوصلة عربية لا تشير إلى القدس مشبوهة وخائنة” هذا الذي وصفوه بـ “البلوتكل أنمل” الوحش السياسي، هذا الذي يصفه الناس بحكيم الفقراء وطبيب عيونهم، هذا يا بُني كان ولازال الشعبي بامتياز الملتصق بأواصر المكان والزمان والإنسان في مساحات العشق الممتدة في عمان، هذا الذي وقف في وجه المتنكرين لنا قائلاً نحن أبناء البلد مشينا في طرقاتها حفاة عراة.
واستدرت نحوه فقلت له معالي أبو صالح أمامك خياران أما أن أشكوك وأما أن تقبل دعوتي إلى بيتي فقال مبتسماً وقد فهم القصد دعنا من الأولى ولك الثانية.
فأسدلنا الستار على المشهد وأيقنت يا وطني أنك لن تكون إلا وطن الرجال الرجال ففيك الخير يا وطني، وفيك الصور المشرقة، حماك الله وجعلك آمناً عصياً على نكث الناكثين

شاهد أيضاً

jm3et-sh-mneb9

الساحة الأمريكية من جديد / منيب رشيد المصري

هناك وجهات نظر كثيرة وآراء عديدة منها ما يؤكد ومنها ما ينفي ومنها ما يشكك …

%d مدونون معجبون بهذه: