أحمد الصراف /الأسباب التاريخية لتخلفنا كعرب ومسلمين (2-2)

يتساءل رايلي عن سبب ما أصاب «الحضارة» الإسلامية من جمود بالقول إن الفكر الاسلامي حصل له تطور كبير في العهد العباسي مع صعود حركة المعتزلة العقلانية، الذين كانوا يميلون إلى منح الأولوية للعقل على النقل، وأن الإنسان مخيَّر وإرادته حرة، وهو مسؤول عن أعماله. وهذه الفلسفة كانت على تعارض مع الاتجاه الآخر والذي عرف بـ «الجبرية» والتي تقول إن الإنسان مسيَّر، ولا إرادة له في اتخاذ قراراته وصنع أعماله، لأن كل ما يقوم به ويتعرض إليه مكتوب! وقد كان الإمام أحمد بن حنبل من مؤيدي هذا الفكر، ومن معارضي المعتزلة، وناله أذى كثير لموقفه هذا، خصوصاً عندما دعا إلى استخدام العنف ضد مناوئي ما يدعو إليه، وبالتالي جاءت الوهابية كامتداد للحنبلية، ولا غرابة بالتالي في تبنيهم للعنف في التعامل مع الآخر. وقد اشتد الصراع بين المعتزلة، العقلانيين، وبين أهل السنة الذين يعتمدون على ما نقله إليهم السلف في التفسير الحرفي للنصوص الدينية، بغض النظر عن تعارضها مع العقل، وبلغ الصراع ذروته في عهدي المأمون والمتوكل، ومع انشقاق أبو الحسن الأشعري، (260هـ- 324هـ)، عن المعتزلة، وميل الخليفة المتوكل نحو أهل النقل، فدفعه هذا إلى اضطهاد المعتزلة وقتلهم وإنهاء وجودهم وحرق مؤلفاتهم! ويعتقد رايلي بأن تلك الحملة ضد المعتزلة كانت نقطة التحول والردة في تاريخ الفكر العربي- الإسلامي، وبداية إغلاق عقل المسلم، وما أصابه بعدها من تراجع حضاري وفكري سهّل لهولاكو عام 1258م اجتياح بغداد، عاصمة الحضارة العربية الإسلامية، وتدميرها. ومن يومها لم يتعافَ العقل العربي إلى يومنا هذا، وما ظاهرة ابن لادن ومنظمته الإرهابية إلا ثمرة من ثمار ذلك التراجع والجمود الرهيب الذي بدأ قبل 11 قرناً على يد الأشعري فكرياً، والمتوكل سياسياً، ودور أبي حامد الغزالي الخطير في إهالة التراب على الفلسفة والعقل والعقلانية في كتابه «تهافت الفلاسفة»، وكان لانقلابه على العقل تأثير مدمر في الفكر الإسلامي، حيث نتج عن أعماله ومواقفه وضع ختم على عقل المسلم. فالعقل بالنسبة إلى الغزالي هو العدو الأول للفكر الإسلامي، لأنه كان يعتقد بأن على المسلم الاستسلام الكلي لإرادة الله، أي لكل ما جاء في الوحي، وماء جاء به السلف من تفسير للنصوص من دون سؤال أو مناقشة، وبالتالي طالب بغلق باب الاجتهاد مع بداية القرن 12 الميلادي، وتحقق له ذلك، لأنه آمن بأن السلف وضعوا تفسيراً لكل شيء، وأي تفسير جديد غير مقبول، وما كان صحيحاً في القرن 12 هو صحيح لكل زمان ومكان. وبالعودة إلى السؤال الذي طرحه المؤلف: لماذا لم تحصل النهضة في العالم الإسلامي على غرار ما حصل في أوروبا، يؤكد أن السبب يكمن في تعطيل دور العقل في العالم الإسلامي. فالإنسان يتمتع بغريزة حب الاستطلاع والفضول (curiosity)، وحب المعرفة واكتشاف أسرار الطبيعة، وإخضاع كل شيء للسؤال، وتوسيع المدارك بالمعارف، وهذا ما لم تدعُ إليه جماعة الجبرية، ولولا فضول الإنسان «الغربي»، لما حصل هذا التقدم الحضاري والعلمي نتيجة الاكتشافات والاختراعات، ولبقي الإنسان بدائياً. ويرى المؤلف أن سبب عدم انتشار الديموقراطية في البلدان الإسلامية يعود إلى تفوق فكرة سلطة القوة على سلطة العقل في الثقافة العربية – الإسلامية.

شاهد أيضاً

الفوضى الرقمية: كيف تسبب تحديث خاطئ في شلل عالمي ودفع بأجندات الأمن السيبراني إلى الواجهة

  عروبة الإخباري – الدكتور رامي شاهين امين عام جائزة ذكاء الاصطناعي –   في …

اترك تعليقاً