عبدالله ناصر العتيبي/هل تتشيّع مصر.. أم تتسنّن إيران؟

مصر تحتاج المال لدعم اقتصادها، وإيران بحاجة إلى حليف جديد في المنطقة بدلاً من سورية.
العرب السنة خائفون من تشيّع مصر، والأمة الشيعية غير خائفة من تسنّن إيران؟
هل يمكن اختصار التقارب الإيراني المصري في الفترة الأخيرة في الجملتين الصغيرتين أعلاه؟ نعم ولا. ليست نعم كاملة وليست لا كاملة، الأمر معقد قليلاً.
المصريون للتو خرجوا من ثورة شعبية. تحرك الشارع بأطيافه كافة ومن دون قائد محدد، فأسقط نظام حكم استمر 60 عاماً. كانت الأمور تغلي إنما لم تكن الثورة الشاملة ضمن خيارات الحلول. الفقر منتشر والجوع يطوي بطوناً كثيرة، والفساد يرى رأي العين، والطبقة الغنية تبتعد بثبات عن الطبقة المعدمة، والنخبة الحاكمة تعمل لحساب أجنداتها الشخصية الضيقة. كل المؤشرات كانت تقول إنه زمن التغيير، لكن لم تكن الثورة الشعبية حاضرة في الذهنية الجمعية للمجتمع المصري.
كانت الجموع المصرية تنظر إلى الأمام، فجاءتها الثورة الشعبية على حين غرة من الخلف، فأسقطت النظام وأسقطت التوقعات أيضاً. وبالتالي صار لزاماً على المصريين أن يعيدوا بناء تصوراتهم من جديد. ليس هناك غاندي يمكن الوثوق به ولا مانديلا يمكن الركون إليه، ما اضطرهم أن يبقوا نظام العسكر لحين ميسرة، ويأتوا بوجوه أحبوها لتولي المهمات التنفيذية. تخبطوا قليلاً ثم لاحت في عيونهم كواكب «الإخوان»، فقالوا إنها لن تأفل، فلحقوا بها. لم تكن الأيديولوجية حاضرة في البداية، ولم يكن الرمز الملهم موجوداً أيضاً، لكن كان لزاماً عليهم في ما بعد أن يجربوا من خبروهم على الأرض لسنين طويلة بدلاً من الإتيان بغريب غير معروف كنهه!
الإيرانيون كانوا منذ البدء يعرفون الرجل المخلص. كان الخميني يعدهم بالحريات والكرامة ويرسم لهم طريق المستقبل. كان يفعل ذلك من المنفى فيما الموجات الثائرة تطوي الأرض تحت الشاه بانتظار مقدمه.
جاء الخميني بعد حين على ظهر أيديولوجية أخروية لا حياتية، فصنع دائرة مغلقة من الحكم، وأبقى شعبه بعيداً عن مقاليد الأمور والحريات على حد سواء.
ثورة شعبية في مقابل ثورة أيديولوجية. ملايين المخلصين في مواجهة مخلص واحد. ثورة سنية لا تضع سنيتها في عقلها الواعي تتحرك بمحاذاة ثورة شيعية تعرف أنها شيعية وتتعامل بناء على هذه المعرفة!
هل يمكن لهاتين الثورتين التعاطي مع بعضهما؟
المصريون يحتاجون إلى المال في هذه المرحلة. الحزب الحاكم تحديداً يحتاج إلى المال في هذه المرحلة. مؤسسة «الإخوان» تعمل على تأكيد أحقيتها في حكم مصر من خلال ثورة التغيير الاقتصادي اللاحقة للثورة الشعبية الأولى، والتغيير الاقتصادي بحاجة إلى دفعة معونات كبيرة، ودفعة المعونات إما أن تأتي من أميركا أو من دول الخليج أو من «الشيطان» أياً كانت أرضه! ولما لم تكن أميركا مقبلة تماماً على «الإخوان» في الفترة الراهنة، ودول الخليج تتقدم خطوة وترجع بالأخرى في مسألة المعونات غير المستردة والدعم النقدي للبنك المركزي المصري، فإن المصريين يلوحون بصداقتهم في الأفق بانتظار من يقتنصها بصرف النظر عن لونه وجنسه و«مرجعيته».
الرؤوس الكبيرة في مصر الآن غير قادرة على التفكير في الثورة الاقتصادية بمعزل عن المساعدات الخارجية، وهذه مسألة ثقافية وتاريخية، فالمصريون ليسوا كماليزيا أو إندونيسيا أو كوريا. ليسوا قادرين على التخلص من عبء الماضي والتحرر إلى المستقبل. مشكلتهم المزمنة أنهم يتكئون على ماض تليد يمنعهم من التقدم. يفرّغون شحناتهم وخيباتهم في النظر إلى الخلف، واستحضار ماض فرعوني ينفصل عنهم بمقدار 7 آلاف عام، بدلاً من درس الواقع وتبيّن مواقع الخلل والجهل والتخلف. يتحدثون عن مصر العظيمة (وهي كذلك بالفعل) ذات الحضارة التي يبلغ عمرها 7 آلاف عام.
الإخوة المصريون يحتاجون فقط إلى من يدلهم على طرق المستقبل، وسيبدعون وينتجون ويصنعون مركزاً حضارياً جديداً في المنطقة. يحتاجون إلى من يقول لهم إن الماضي أساس للمستقبل لكنه ليس صانعاً له. يحتاجون إلى من يذكرهم بأن الـ7 آلاف عام هي الفترة التي تفصلهم عن أقرب حضارة لهم وليست عمر حضارتهم! متى أدرك المصريون هذه الحقائق فهم قادرون على خلق حاضرهم اعتماداً على اليد المصرية والروح المصرية اللتين ظلتا عبر التاريخ محافظتين على خصوصيتهما وشكلهما وقدرتهما على النجاة في مختلف الظروف.
مصر أيضاً تتعافى من حكم سابق، وتريد أن تثبت للعالم أنها لا تعترف بكل المتعلقات «المباركية» السابقة وكل ما يلتصق بها. هي تتخلّق من جديد وتريد أن تجرب من جديد. لا أصدقاء قدامى لها ولا أعداء تاريخيين. العداوات والصداقات تتشكل بعد التجربة.
إيران من جهتها لم تعد تفكر في تصدير الثورة مثلما يعتقد المأزومون بالمسألة الطائفية. هذه المسألة انتهت مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية. إيران دأبت منذ أعوام على تغيير بوصلتها الخارجية لضمان مصالح «دائرة الحكم المغلقة» فيها محلياً! إيران صارت تعمل على تشتيت الضغط المحلي (التجار المحاصرون بالعقوبات والفقراء المعدمون والمثقفون الأحرار والشباب الجديد المتطلع إلى الحياة على النسق الغربي) والضغط الدولي والإقليمي في مسألة السلاح النووي، والتضامن الدولي المتزايد لحركات التحرر في شرق البلاد وغربها. تفعل ذلك من خلال اختراق المكون العربي وخلق جيوب إقليمية تابعة لها، لبناء مواقف قوية تخدم رجالات الحكم في طهران، ولتصنع لهم قاعدة متينة تمكنهم من البقاء لأطول فترة ممكنة في استنزاف الخيرات الإيرانية واحتكارها في جيوبهم المزركشة برسومات دينية وطائفية كاذبة!
السؤال من جديد: هل يمكن للثورتين التعاطي مع بعضهما؟ طموح باتجاه المال أياً كان مصدره، وهرولة إلى أي منطقة تحقق أدنى المتطلبات الإيرانية!
للمصريين الحق في إقامة العلاقات مع من شاؤوا، ولهم الحق في الاستفادة ممن شاؤوا، وعلى الخليجيين أولاً والأميركيين ثانياً أن يعوا هذه النقطة جيداً. كل دول الخليج بلا استثناء تتبادل البعثات الديبلوماسية مع إيران، وبعضها يدخل في معاملات تجارية ثقيلة جداً، وبالتالي فليس من المعقول أن أعمل على فرض وصايتي على جاري العربي لكي لا يتعامل مع جاري الفارسي خوفاً من أن تؤثر هذه العلاقة في مستقبلي! لكن لضمان علاقة محايدة ما بين الدولتين، على هذه الدول أن تتحرك إيجاباً ولا تكتفي فقط بمجرد المشاهدة.
المكون المصري على وجه العموم غير مقبل على إيران لأسباب تتعلق بالتركيبة الدينية والعاطفية للمواطن المصري، وأسباب أخرى تتماس مع البعد التاريخي للعلاقة بين الشعبين المصري والفارسي، كما أن التمايز في طبيعة الثورتين ونتائجهما أيضاً يجعل من التقائهما مسألة بعيدة الاحتمال، لكن ذلك لا يمنع من أن تعمل الدول الخليجية على ضمان استقلال مصر من خلال «النهوض بها ومعها». المال الخليجي واليد العاملة المصرية قادران على صنع منصة اقتصادية وتجارية ضخمة تعود بالنفع على المحيط العربي على وجه العموم. على الخليجيين أولاً أن يتخلصوا من غشاوة «قوة النفط» الذي «يخرج بانتظام من الأرض» من غير قوة منهم ولا حول، وعلى المصريين أن يبدأوا من الصفر ويدركوا أن التاريخ البعيد ليس إلا تاريخاً بعيداً!
أما مسألة التشيّع والتحذيرات الممنهجة في هذا الخصوص، فيمكن قلبها بسهولة: لماذا لا يكون التقارب المصري الإيراني فاتحة لتسنّن الإيرانيين؟

* كاتب وصحافي سعودي.

شاهد أيضاً

السمهوري: من يدعم “إسرائيل” يكن شريكا بجرائمها

عروبة الإخباري  – كتب عضو لجنة الشؤون الخارجية والبرلمانية في المجلس الوطني الفلسطيني، رئيس جمعية …

اترك تعليقاً