ناثان براون/صعود ‬الحركات الإسلامية في دول الربيع العربي

شهدت مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي صعودا واضحا للحركات والأحزاب المحسوبة على التيارات الإسلامية، لتتصدر المشهد السياسي في‮ ‬غالبية دول الربيع العربي، وهو ما يثير العديد من علامات الاستفهام حول وضع هذه الجماعات،‮ ‬وحقيقة وزنها السياسي في مجتمعاتها‮. ‬وفي مسعي لاستكشاف هذه الأبعاد، يأتي كتاب ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية والشئون الدولية في جامعة جورج واشنطن، والمتخصص في شئون الحركات الإسلامية‮. ‬إذ يقدم هذا الكتاب دراسة لتجربة الإخوان المسلمين في أربع دول، هي‮: ‬مصر، والأردن، والكويت، والأراضي الفلسطينية، محاولا استكشاف الظروف والسياقات السياسية المحلية التي أدت لصعود الحركات الإسلامية‮.‬

يركز الكتاب بشكل خاص على خبرة جماعة الإخوان المسلمين،‮ ‬باعتبارها الأكثر تبلورا كحركة سياسية متعددة الأذرع‮.‬ ويطرح الكاتب في بداية كتابه سؤالا حول الأسباب التي دفعت الإخوان المسلمين للمشاركة في العملية السياسية‮. ‬وللإجابة على هذا السؤال، يستعرض الكاتب الخلفية الاستراتيجية للجماعة وأهدافها، مشيرا إلى أن حسن البنا، مؤسس الجماعة، أراد إنشاء حركة ذات قاعدة قوية،‮ ‬وشديدة الالتزام‮.‬ كما يوضح أن فكرة تطوير القدرات الذاتية للجماعة تعد قيمة مركزية في أفكارها، وهذا ما يتأكد مع وجود كلمة‮ “‬وأعدوا‮” ‬في قلب شعار الجماعة‮.‬

مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية‮:‬

شهدت المنطقة العربية مجموعة من التغييرات الكبري على مدي العقدين الماضيين، إذ تزايد الوعي المجتمعي والمشاركة الشعبية في الشئون السياسية، ومن ثم اضطرت النظم الحاكمة في هذه الدول، والتي يصفها الكاتب بأنها أنظمة شبه استبدادية، إلى منح بعض الحريات المقيدة،‮ ‬وتحقيق قدر من الانفتاح السياسي، ومن ثم سمحت للجماعات الإسلامية بالمشاركة في العملية السياسية‮. ‬ويرى الكاتب أن التفاعل بين الجانبين في هذا الصدد يشبه لعبة‮ “‬القط والفأر‮”‬، حيث تقوم الأنظمة شبه الاستبدادية بتغيير قواعد اللعبة،‮ ‬رغما عنها، في حين تتجاوب الحركات الإسلامية والجماعات المرتبطة بها مع المعطيات الجديدة لتنطلق نحو مساحات تتمتع فيها بفضاء اجتماعي أكبر‮.‬

وفي تفصيل ذلك،‮ ‬يشير الكتاب إلى أن مشاركة الحركات الإسلامية في العملية السياسية تمت وفق صيغة معينة،‮ ‬هي أن‮ “‬هذه الحركات بإمكانها المشاركة في الانتخابات،‮ ‬مع إدراك أنها سوف تخسرها‮”‬، ويحقق ذلك منافع للطرفين بالنسبة للحكومة،‮ ‬تتمثل الفائدة الرئيسية في إخراج مجموعات المعارضة إلى النور‮. ‬أما بالنسبة لهذه الجماعات، فإن المشاركة في الانتخابات حتي لو لم تفز بها،‮ ‬فهي تحقق لها مكاسب كالوصول للإعلام،‮ ‬والقدرة على الترويج لأفكارها بشكل علني، وتطوير القدرة على حشد المؤيدين‮. ‬ومن ثم،‮ ‬يتجه الإخوان المسلمون في تعاملهم مع الانتخابات إلى الالتزام الكامل بقواعد اللعبة السياسية،‮ ‬كما تحددها السلطات الحاكمة، مع محاولة تحقيق أقصي مكاسب ممكنة في إطارها‮. ‬بعبارة أخري، اضطرت هذه الجماعات إلى أن تصبح مسيسة في ظل هذه النظم التي تعطي ميزات كبيرة للجماعات التي تشارك في اللعبة السياسية،‮ ‬وفق الضوابط التي تحددها‮.‬

وقد توصل الكاتب إلى ملاحظة،‮ ‬مؤداها أن الجماعات الإسلامية المسيسة تميل لاستخدام خطاب أكثر معارضة من مثيلاتها‮ ‬غير المسيسة،‮ ‬وغير المنخرطة في اللعبة السياسية‮. ‬ومن ثم،‮ ‬يمكن القول إن أيديولوجية تلك الجماعات ولهجة خطابها أمر منفصل عن التزامها بالانخراط الإيجابي في العملية السياسية‮.‬

ويستنتج من ذلك أن الحركات الإسلامية تصبح أكثر خطرا على نظم الحكم شبه الاستبدادية،‮ ‬عندما تلتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية،‮ ‬وتنخرط في العملية السياسية،‮ ‬وتحاول الفوز بها‮. ‬ومن بين الأمثلة التي يدلل بها الكتاب على ذلك حركة حماس، فقد‮ ‬كسرت كل قواعد اللعبة السياسية،‮ ‬على الرغم من استمرارها في الانخراط في تلك اللعبة‮.‬

الحركات الإسلامية والربيع العربي‮:‬

يحاول الكتاب استكشاف وضع الإخوان المسلمين،‮ ‬في ظل البيئة السياسية الجديدة في مصر،‮ ‬وكيف أثرت الجماعة في هذه البيئة‮. ‬فوفق الكاتب،‮ ‬اتخذ الإخوان المسلمون أثناء وبعد الثورة مواقف اتسمت بقدر كبير من عدم الالتزام،‮ ‬على نحو أثار حيرة المراقبين‮. ‬فعلى الرغم من أن الجماعة لم تشارك رسميا في المظاهرات في بداية الثورة،‮ ‬فإنها سمحت لأعضائها بالاشتراك على نحو فردي، ثم‮ ‬غيرت موقفها،‮ ‬ودعمت الثورة بشكل كامل‮. ‬كما ظهر عدم الالتزام في مواقف الإخوان المسلمين مع دعوة عمر سليمان،‮ ‬نائب رئيس الجمهورية آنذاك،‮ ‬إلى الاجتماع بزعماء المعارضة،‮ ‬في محاولة لاسترضاء المتظاهرين،‮ ‬مع الإبقاء على نظام مبارك في الحكم، حيث أدهش الإخوان الجميع بقبول هذه الدعوة، وإن أصروا على أنهم التقوا به فقط للاستماع وليس للتفاوض‮.‬

يرى الكاتب كذلك أن طبيعة مشاركة الإخوان المسلمين في النظام الجديد تثير العديد من الأسئلة داخليا وخارجيا‮. ‬فأهداف الجماعة‮ -‬كما تنص مواثيقها‮- ‬تتمثل في تنمية المجتمع،‮ ‬ورفع وعيه وممارساته الدينية، ودعم القضايا الخيرية‮. ‬ومن ثم،‮ ‬فالسؤال الذي يطرح نفسه هو‮: ‬كيف يمكن للجماعة أن تكرس وضعها كحزب سياسي بمثل هذه الأجندة الواسعة، طبقا لبراون، هناك العديد من المخاوف داخل الجماعة‮ ‬من أن التمادي في الانخراط بالعمل السياسي قد يجعل الجماعة تواجه مشاكل في الوفاء بمستحقات دورها الاجتماعي، فغالبية قيادات الجماعة تري أنه لا يمكن استثمار كل طاقتها وكوادرها في حزب سياسي فقط،‮ ‬ومن ثم فعليهم تحقيق التوازن بين المشاركة في الحياة السياسية،‮ ‬والوفاء بالدور الاجتماعي‮.‬

مقاربة تاريخية واستشراف المستقبل‮:‬

يرى الكاتب أنه من‮ ‬غير الدقيق وغير المنصف أن يتم الحكم على الحركات الإسلامية في البلدان شبه الاستبدادية بالمعايير ذاتها التي يتم بها تقييم دور الحركات السياسية في الديمقراطيات الأكثر انفتاحا‮. ‬ومن ثم،‮ ‬فهو يرفض أي تشابه بين هذه الحركات الإسلامية وتجربة الديمقراطيين المسيحيين في ألمانيا حاليا، انطلاقا من أن تلك التجربة تقوم على أسس التنافسية السياسية المستقرة منذ عقود‮.‬

بل يشبه براون الأحزاب الإسلامية في العالم العربي اليوم بالأحزاب المسيحية في أوروبا،‮ ‬قبل‮ ‬100‮ ‬عام، حيث شكلت هذه الأحزاب تحديا للنظام،‮ ‬وكان عليها أن تحدد إلى أي مدي تريد التأثير في العملية السياسية، كما تتشابه هذه الأحزاب في صعوبة دمجها في العملية الديمقراطية‮.‬

وللتنبؤ بمستقبل الأحزاب الإسلامية اليوم،‮ ‬بالنظر إلى تجربة الأحزاب المسيحية في أوروبا في القرن الماضي، يري براون ضرورة عدم الخلط بين‮ “‬القضية‮” ‬التي تتبناها تلك الجماعات، و”الأثر‮” ‬الذي تحدثه مشاركتها في العملية السياسية‮. ‬كما يؤكد أن تطور النظم السياسية هو الذي يؤثر في تشكيل أيديولوجية الحركات الإسلامية، وليس العكس‮.‬

تعريف الكاتب:
أستاذ مساعد في الدراسات الإسلامية والتفاهم المسيحي – الإسلامي في كلية الخدمة الخارجية في جامعة جورج تاون

شاهد أيضاً

الرئيس عباس.. ما زلت عنوان شعبك.

عروبة الإخباري- كتب سلطان الحطاب ما زال الرئيس محمود عباس وهو أحد القادة التاريخيين في …

اترك تعليقاً

%d مدونون معجبون بهذه: